الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

«القاضى شريك» رحمات الله ورضوانه عليه | الجزء الأول

2018-12-16 19:12:02
م.محمد بدرى صادق
م.محمد بدرى صادق
م.محمد بدرى صادق

هو شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي القاضي أدرك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، كنيته أبو عبد الله النخعي أحد الأعلام، وكان من كبار الفقهاء.

قال فيه الامام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه : كان عاقلاً صدوقا محدثا وكان شديدا على أهل الريب والبدع، وقال فيه الامام إبن حجر في التقريب : وكان عادلا فاضلا عابدا شديد على أهل البدع، وقال فيه الامام إبن حبان : وكان من الفقهاء والمـذكورين من العلماء الذين واظبوا على العلم ووقفوا أنفسهم عليه.

وفي مدينة الكوفة اشتهر بعلمه وفضله فأخذ يعلم الناس ويفتيهم في أمور دينهم وكان لا يبخل بعلمه على أحد ولا يفرقُ في مجلس علمه بين فقير وغني.

يحكى أن أحد أبناء الخليفة المهدي دخل عليه فجلس يستمع إلى دروس العلم التي يلقيها شريك وأراد أن يسأل سؤالا فسأله وهو مستند على الحائط وكأنه لا يحترم مجلس العلم فلم يلتفت إليه شريك فأعاد الأمير السؤال مرة أخرى لكنه لم يلتفت إليه وأعرض عنه.

فقال له الحاضرون: كأنك تستخف بأولاد الخليفة ولا تقدرهم حق قدرهم؟

فقال شريك: لا ولكن العلم أزين عند أهله من أن تضيِعوه

فما كان من ابن الخليفة إلا أن جلس على ركبتيه ثم سأله

فقال شريك: هكذا يطلب العلم

وكان القاضى شريك إذا افتتح مجلس القضاء أخرج ورقة وقرأها وكان مكتوب فيها يا شريك بن عبدالله اذكر الصراط وحدته يا شريك بن عبدالله اذكر الموقف بين يدي الله تعالى.

جلس القاضى شريك ذات يوم في مجلس القضاء وإذا بامرأة من ولد جرير بن عبدالله البجلي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه

فقالت له: أنا بالله ثم بالقاضي انا امراة من ولد جرير بن عبدالله البجلي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم

فنظر إليها شريك وقال: مَنْ ظلمك؟

قالت: الأمير موسى بن عيسى ابن عم أمير المؤمنين

فقال لها: وكيف؟

قالت: كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخل وزرع ورثته عن أبي وقائمة اخواتى وبنيت بينهم وبينى حائطًا وجعلت فيه رجلا فارسيا يحرس لى البستان فاشترى الأمير موسي بن عيسى من جميع اخواتى وانا رفضت أن ابيع نصيبي وبالأمس بعث الأمير بغلمانه فهدموا الحائط الذى بينى وبين اخواتى وضربوا الغلام الحارس على بستاني والان أصبحت لا اعرف نخلي واختلط بنخل اخواتى

فنادى القاضي شريك على الحاجب وأرسل معه رساله فيها إلى الأمير موسي بن عيسى : أما بعد.. أبقى الله الأمير وحفظه وأتم نعمته عليه فقد جاءتني امرأة فذكرت أن الأمير اغتصب بستانها أمس فليحضر الأمير إلى مجلس القضاء حتى يقف بجانب المراه صاحبة الشكوى الساعة والسلام.

فلما قرأ الأمير كتاب شريك غضب غضبا شديدا ونادى على صاحب الشرطة

وقال له: اذهب إلى القاضي شريك

وقل له : يا سبحان الله ما رأيت أعجب من أمرك امرأة ادعت دعوة لم تصح اتنصرها علي

فقال صاحب الشرطة: لو تفضل الأمير فأعفاني من هذه المهمة فالقاضي كما تعلم صارم

فقال الأمير غاضبا لصاحب الشرطة: اذهب الان وإياك أن تتردد

فخرج صاحب الشرطة من عند الأمير وهو لا يدري كيف يتصرف ثم قال لغلمانه: اذهبوا واحملوا إلى الحبس فراشا وطعاما وما تدعو الحاجة إليه ومضى صاحب الشرطة إلى القاضى شريك بمجلس القضاء.

فقال القاضي له: إنني طلبت من الأمير أن يحضر بنفسه فبعثك تحمل رسالته التي لا تغني عنه شيئا في مجلس القضاء

ونادي على الحاجب.

وقال له: خذ بيده وضعه في الحبس

فقال صاحب الشرطة: يا ابا عبدالله والله لقد علمت أنك تحبسني فقدمت ما أحتاج إليه في الحبس.

وعندما وصل خبر حبس صاحب الشرطة الى الأمير موسي بن عيسى غضب غضبا شديد وأرسل حاجبه الى القاضي شريك وقل له أن صاحب الشرطة كان رسولي اليك فلماذا حبسته.

فلما وصل الحاجب الى القاضي وأبلغه رساله الأمير موسى بن عيسى أمر القاضي بحبس الحاجب مع صاحب الشرطة.

وعندما وصل الخبر إلى الأمير موسى بن عيسى بعث إلي بعض أصدقائه من كبار اهل الكوفه وأصدقاء القاضي شريك ليكلموه في الأمر ويقولوا له على لسان الأمير ان أبلغوه السلام واعلموه أنه قد استخف بي وانى لست كالعامة فذهبوا الى القاضي شريك بعد صلاة العصر وهو جالس فى المسجد فابلغوه رسالةً الأمير.

فقال لهم القاضي ما لى ما لم أراكم جئتم فى غيره من الناس من قبل لتكلموننى فيه.

فنادى القاضي على فتيان الحى الذى يقيم به وقال لهم كل واحد منكم يأخذ بيد رجل من هولاء وياخذه الى السجن وان يقضوا هذه الليلة فى السجن.

فلما علم الأمير بما حدث ركب بالليل هو وأعوانه ومضوا إلى الحبس ففتح باب السجن وأخرج مَنْ فيه، وفي اليوم التالي عرف القاضي شريك بما حدث فقرر اعتزال القضاء وترك الكوفه ويذهب إلى بغداد.

فقال لغلامه: هات متاعي والحقني ببغداد.

وقال القاضى :والله ما طلبنا هذا الأمر (أي القضاء) من بني العباس ولكن هم الذين أكرهونا عليه ولقد ضمنوا لنا أن نكون أعزة أحرارا فيه حين تلقدناه لهم.

وبالفعل رحل القاضي من الكوفة الى بغداد وفى طريقة لما عرف الأمير موسى بذلك أسرع ولحق بركب القاضي شريك فجعل يناشده بالله ويعتذر إليه حتى يرجع إلى الكوفة والقضاء.

وقال الأمير للقاضي : يا أبا عبد الله أتحبس إخواني بعد أن حبست رسولي؟

فقال شريك: نعم لأنهم مشوا لك في أمر ما كان لهم أن يمشوا فيه وقبولهم هذه الوفادة تعطيل للقضاء وعدوان على العدل وعون على الاستهانة بحقوق الضعفاء.

فقال القاضي: لا أرجع حتى ترد الجميع إلى الحبس والا ذهبت الى امير المؤمنين استعفيه من القضاء

وبالفعل أمر الأمير برد الجميع إلى الحبس تنفيذا لأوامر القاضي

وقال القاضى: لحاجبه خذ الأمير إلى مجلس القضاء حتى يقف بجانب المرأة

وطلب القاضي المرأة فحضرت الى مجلس القضاء

فقال الأمير: للقاضي اما وقد جلست أمامكم فى مجلس القضاء فأخرج أولئك الذين فى الحبس

فقال القاضي: أما الآن فنعم وأمر باخراجهم

وقال القاضي: للامير ما تقول ما تدعيه هذه المرأة عليك

فقال الأمير: انها صادقة

فقال القاضي: اذن ترد جميع ما أخذته منها وتبنى لها الحائط الذى هدمته

قال الأمير: أفعل ذلك

فسأل شريك المرأة: أبقي لك عليه شيئًا؟

قالت: بارك الله فيك وجزاك خيرًا

وقام الأمير من المجلس وهو يقول: مَنْ عظم أمر الله أذل الله له عظماء خلقه

رحمات الله عليه


إرسل لصديق