الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

حوارات

د.محمد كمال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لـ«الديار»: ما يحدث فى فرنسا مختلف تمامًا عن الثورات العربية 2011.. والمصالح المصرية أهم

2018-12-25 12:44:19
د.محمد كمال مع محررة الديار
د.محمد كمال مع محررة الديار
إيرينى سعيد

استعادة فعالية المجتمع الدولى حتمية من أجل تنمية وسلام الشعوب

 

 

السياسات الترامبية تخدم المواطن الأمريكى ولا تهتم بالرأى العام الدولى

 

 

 

علينا إدراك حجم التغيرات بالخريطة الدولية والإقليمية .. والمؤثرة بطبيعتها فى العلاقات الدولية

 

 

 

 

تراجعت مؤخرًا فعالية المجتمع الدولى، ولم يعد قادرًا على القيام بمهامه المنوط به إنجازها، وربما تجلى ذلك واضحًا إزاء عجزه عن التعامل مع العديد من القضايا سواء الإقليمية أو الدولية، بل والوصول إلى حلول أو على الأقل وضع تسويات سلمية لها، ولعل هذا ما دفع الرئيس "السيسى" وخلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة- سبتمبر الماضى- إلى تأكيد ضرورة استعادة فعالية المجتمع الدولى، حينما شدد على ضرورة الأخذ بعدة مبادئها اعتبرت حتمية إذا أردنا مواجهة حقيقية، فى المقدمة منها محاربة النزعات الطائفية والولاءات المذهبية، إلى جانب الالتزام بالحلول السلمية لتسوية النزاعات، والأهم تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة من أجل عالم أكثر استقرارًا.

 

 

 

توجهنا إلى د.محمد كمال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، للحديث معه عن هذه القضية الجوهرية ومخاطر تداعياتها، ومنها تطرق النقاش إلى أبرز المشاهد والمتصدرة الساحة الدولية، ولعل أزمة خاشقجى، وما يحدث فى فرنسا، والأهم تأثير السياسات الترامبية على الخريطة الدولية، اعتبرت صلب الحوار.

 

 

حيث علق "كمال" مؤكدًا على التراجع الواضح، ضاربًا المثل بالسلوك الأمريكى وانسحاباته المتتالية من العديد من المنظمات والاتفاقيات، فى تعدِ واضح على المجتمع الدولى ودوره، مشيرًا إلى خطورة تداعيات التراجع، إذا ما سعت الدول ولاسيما الكبرى إلى صيغة توافقية من شأنها تحقيق أهداف المجتمع الدولى وأهمها تنمية وسلام الشعوب، منوهًا إلى تغير الخريطة الدولية والإقليمية أيضًا، وأنه علينا إدراك ومراعاة هذه التغيرات، واختتم مؤكدًا إعلاء المصالح المصرية إزاء كافة العلاقات الدولية، وكان لنا معه هذا الحوار...

 

 

- مبدئيًا نود معرفة هل تراجع دور المجتمع الدولى؟

 

 

 

-- بالتأكيد تراجع دور المنظمات الدولية، لتنامى النزعات الوطنية والشعبوية والحارسة لسيادة الدولة الوطنية، على سبيل المثال ما يحدث فى أمريكا وتمسكها بما يعرف "بأمريكا أولًا"، بالتالى لا يوجد أى انصياع أو اعتراف بدور المنظمات الدولية، فى اعتقاد بأن هذا ينقص من مكانة وسيادة الدولة، ومن يقود هذه المنظمات أشخاص غير منتخبين، أيضًا تراجعت فكرة العولمة والربط بين القارات جراء هذا الفكر.

 

 

 

- هل لديكم أمثلة على هذا التراجع؟

 

 

-- منظمة التجارة العالمية، وتعامل الولايات المتحدة من خلال الشكل الثنائى مع الدول المختلفة بشأن اتفاقيات التجارة، دون اللجوء إلى منظمة التجارة فى تهميش واضح لدورها، أيضًا انسحاباتها المتتالية من اتفاقيات حقوق الإنسان، والتوقف عن تمويل منظمة  الأونروا والمعنية بتمويل اللاجئين الفلسطينين، أيضًا انسحابها من اتفاقية المناخ، وجميعها مؤشرات على عجز المجتمع الدولى.

 

 

- ماذا عن تداعيات هذا التراجع؟

 

 

-- من المهم أن يكون للمنظمات الدولية دور واضح وقوى، تلك والتى أنشئت من أجل سلام وتنمية الدول، فعلى سبيل المثال منظمة الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولى وغيرها، جميعها تستحق الاستمرار من أجل أدوارها وأهدافها الأساسية، بالتالى يصعب الحديث عن نتائج التراجع لمثل هذه المنظمات الدولية.

 

 

 

- إنما على عاتق من تقع مسئولية عودة فعاليتها؟

 

 

 

-- بالتأكيد الدول الكبرى عليها مسئولية القيادة سواء فى صورة تحالفات ثنائية أو متعددة الأطراف، وفى غياب هذه القيادة من الممكن جدًا أن يتحول العالم إلى ساحة من الفوضى، ومن هنا نحتاج إلى خلق حالة من التوافق فى الأهداف المشتركة والمصالح بين الدول الكبرى، مع تجنب الصراعات قدر الممكن.

 

 

 

 

- " الفيتو" أو "حق النقض" بمجلس الأمن.. كيف نقنن سرعة لجوء الدول الكبرى إليه فى العديد من القضايا؟، ربما كثرة استخدامه أضعف وأهدر العديد من الحقوق؟!

 

 

-- من الصعب الحديث عن إلغائه أو حتى تقنينه، لأنه سيتطلب تصويت الدول الخمس صاحبة الحق، بالتالى من غير المعقول أن تصوت بإلغائه، وحينما رغب المجلس فى إضافة أعضاء جدد أو دول يكون لها نفس الحق، عارضت الدول دائمة العضوية، لأنها دائمًا ما تنظر إليه كونه حق مكتسب، من هنا نعود إلى المطلب الأساسى وهو ضرورة التوافق بين الدول الكبار.

 

 

- على ذكر الدول الكبار، رؤيتكم للسياسات الترامبية الأخيرة، والانسحابات المتتالية من اتفاقية المناخ، الاتفاق النووى، معاهدة الصواريخ مع روسيا، وأخيرًا اختلاق الحرب التجارية مع الصين وغيرها؟

 

 

-- ترامب يخدم مصالحه الداخية بالأساس و يخاطب قاعدته الشعبية، والتى انتخبته و يراهن عليها مستقبلًا فى تجديد فترته الرئاسية، لا يهتم بالرأى العام الدولى، بل على العكس يرى فى التحالفات تكلفة للمواطن الأمريكى، بالتالى انقسم حلفائه، بعضهم اتجه بعيدًا عنه كما حدث مع فرنسا ودعوة الرئيس الفرنسى ماكرون إلى إقامة جيش أوروبى موحد بعيدًا عن الناتو، والبعض الآخر ذهب للبحث عن حليف جديد مثلما حدث مع الصين والهند وأيضًا روسيا.

 

 

- شكل الأوضاع الجديدة بالولايات المتحدة بعد الأغلبية الديمقراطية بالكونجرس؟

 

 

-- لا شك ينتهج الديمقراطيون سياسات تقييدية تجاه تحركات ترامب ومشروعاته، وإن لم يتمكنوا من تعويقه فعلى الأقل سيكون ثمة عملية تقييد لسرعته فى تبنى توجهاته المختلفة.

 

 

- لو لديكم استراتيجية تنتهجها مصر تجاه علاقتها مع الولايات المتحدة، لاسيما عقب تغير طبيعة الكونجرس، والأغلبية الديمقراطية؟

 

 

 

-- أمريكا تغيرت والمنطقة بأكملها أيضًا، بالتالى علينا إدراك حجم هذه التغيرات، والمؤثرة فى علاقاتنا مع الولايات المتحدة، أيضًا لابد من انتهاج سياسة طويلة الأمد معها، والأهم التواصل مع الدوائر الأمريكية المختلفة والمعنية بصنع القرار الأمريكى، بخلاف الأجهزة التنفيذية، كمعاهد الأبحاث والدوائر الإعلامية، وطالما رغبنا فى إنشاء مراكز أبحاث معنية بذلك.

 

 

 

- من أمريكا إلى روسيا والحديث عن القضية السورية، وعقب قمة الأستانة منذ أيام وفشلها هى الأخرى، كلمنا عن مصير التواجد الروسى فى سوريا؟

 

 

-- التواجد الروسى مستمر ومهم بالنسبة لسوريا، ولمصالحها أيضًا، كما أنه لا يتعارض مع المصالح الأمريكية، أو حتى إسرائيل، بالتالى لم تعارض الولايات المتحدة، والتى أكثر ما يشغلها هو التمدد الإيرانى، على الجانب الآخر بدأت روسيا فى تبنى التسويات السلمية والدبلوماسية على الحلول العسكرية، لكنها متواجدة ومستمرة.

 

 

 

- بعد ثنائية قطبية بل وأحادية، يتجه النظام العالمى- ولكن ببطئ- إلى تعددية قطبية، ماذا عن تقييمكم للأمر؟

 

 

 

-- النظام العالمى أحادى القطبية من الناحية العسكرية، لما تملكه أمريكا من قدرات عسكرية وتسليحية هائلة، والأهم تطورها التكنولوجى، إنما فى نفس الوقت هناك اتجاه فى تقنيين استخدام هذه القدرات والتى تعكسها السياسات الترامبية الأخيرة، بالتالى من الممكن أن نتجه إلى تعددية قطبية وظهور أطراف على الساحة الدولية، لا سيما من حيث القدرات الاقتصادية اليابان، الهند والصين، أيضًا اتجاه قوى ناحية القوى الناعمة أظهر تعددية قطبية واضحة، النظام العالمى بطبيعته متجه ويميل إلى التعددية.

 

 

- زلزال الرابع من نوفمبر وبدء تطبيق العقوبات الأمريكية على إيران، ولكن من الواضح عدم تأثرها، بل على العكس ثمة دول خالفت الأوامر الأمريكية!.. فما تقييمكم للأمر؟

 

 

-- العقوبات بشكل عام نادرًا ما تأتى بالنتائج المرجوة، ومعظم الدول بإمكانها التعايش معها بل والتأقلم، أيضًا التجاوب من قبل بعض دول الاتحاد الأوروبى والصين ساهم بشكل كبير فى تخطيها الأزمة، إلى جانب السماح الأمريكى لهم بالتعامل مع إيران، خوفًا من رفع السعر العالمى للبترول، لكن نستطع القول بإنها لم تتأثر، إنما جاء التأثير محدود، كما أن إيران بشكل خاص اعتادت التعامل مع مثل هذا النوع من الأزمات، وبإمكانها تكييف وضاعها.

 

 

 

- ومن أين لأمريكا بهذه الجرأة والتصدى للجميع على الساحة الدولية؟

 

 

-- ثمة توجه متعارف عليه بالداخل الأمريكى يتعلق بضرورة فرض النموذج الأمريكى وطرحه كنموذج يحتذى به فى العالم، من منطلق مفاده أن التجربة الأمريكية هى استثنائية ومختلفة، ولها أن تقود العالم، أيضًا قطاعات بعينها بالولايات المتحدة تطالب بذلك مع الترويج لبلادهم كونها حامية الديمقراطية والراعية لها، لكن بعد تجربة العراق والتكلفة الهائلة والتى تكبدتها تجاه الخسائر المادية والبشرية، أثبت عجزها على القيادة.

 

 

 

- "قضية خاشقجى" ابتزار للسعودية أم قلق عالمى بشأن حقوق الإنسان؟

 

 

- الموضوع سيستمر لفترة، كونه داخل دائرة اهتمام الكونجرس والإعلام الأمريكى، فلازالا يسعيان لتصعيده، أيضًا ما تتعرض له السعودية يعد فى إطار مبادئ العلاقات الدولية والتى تقتضى المصالح، وهنا أتت المصالح فى إضعاف أحد أهم الأعراف اللاعبة على المسرح الدولى أى السعودية، بدليل ما صرح به ترامب فى خطابه عقب الأزمة، حينما أكد على المصالح الأمريكية أولًا، واصفًا العالم كونه خطيرًا وغير مثالى.

 

 

- عقب باليرمو والمشاركة المصرية، لازالت التسويات فى ليبيا متعثرة؟!

 

 

 

-- أطراف دولية بعينها من مصلحتها تعثر المفاوضات، أيضًا بعض الفصائل الليبية، إلى جانب بعض الأطراف المتواطئة، ما يجب معرفته ليبيا بالنسبة لمصر أمن قومى، ومسألة تأمينها والوصول إلى تسويات سلمية أمر حتمى، والأهم مساندة جيشها الوطنى والبدء فى تشكيل مؤسساتها.

 

 

 

- ماذا يحدث فى فرنسا؟!

 

 

 

-- صراع بين ماكرون وإصلاحاته الاقتصادية، وبين فئات لا تقبل بهذه الإصلاحات وترى فيها ثمنًا باهظًا على المواطن الفرنسى، والأهم تدهور مستوى المعيشة، بالتالى الأمر نابع من منطلق اقتصادى بحت، وربما انصاعت الحكومة للمواطنين وبدأت فى التفاوض حينما أعلنت تجميد رفع أسعار الوقود.

 

 

 

- هل ثمة تشابه بين ما يحدث هناك وبين الثورات العربية 2011؟

 

 

 

-- إطلاقًا، لا يوجد أدنى تشابه مع ما يحدث بفرنسا، وبين الثورات العربية.

 

 

 

- البعض ارتآى فى الأمر تدخل خارجى، ظهر فى وجود اللاجئين وفى الأعمال التخريبية؟

 

 

 

-- غير صحيح ليس للاجئين أى دور فى هذه التظاهرات.

 

 

 

أخيرًا استراتيجية لمصر فى إدارة شئونها الخارجية.. ماذا عن أهم بنودها؟

 

 

 

-- لابد من الانفتاح على القوى الكبرى المختلفة فى عالم متعدد الأقطاب، تنوع العلاقات ما بين  الولايات المتحدة، الصين، روسيا، وأن تشتمل العلاقات على الجانب الاقتصادى والتنمية وما يتعلق بجذب الاستثمارات، توفير فرص العمل وتشجيع الصادرات، العلاقات مع الخليج فى غاية الأهمية، مع التأكيد على استعادة الدور المصرى الإقليمى فى ليبيا واليمن، ومع دعم جهود المصالحة بين فتح وحماس فى فلسطين.

 

 

 

كل ما سبق يأتى بالتوازى مع التأكيد على المصالح المصرية أولًا تجاه تبنى أية سياسات أو تحالفات، انتشر مؤخرًا خجل واضح من قبل بعض القيادات المصرية فى الحديث عن المصالح المصرية فى حالة تعارضها مع مصالح بعض الأطراف، فى حين أن المصالح تعد أهم المبادئ الحاكمة للعلاقات الدولية!.


إرسل لصديق