الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

الشيخ والسلطان

2019-01-06 12:33:09
د.احمد سعيد
د.احمد سعيد
بقلم د. أحمد سعيد

دائما ما يذكر الناريخ امثلة عن كيفية وصول الاشخاص الى السلطة, وفي تاريخ مصر سيظل ما حدث بين الشيخ عمر مكرم ومحمد علي مثالا على استغلال مكانة شخص للوصول الى السلطة ثم التخلص من صاحب هذه المكانة.

وكما كان مسجد عمر مكرم ملاذا للثائرين في ميدان اتحرير فقد لا يعرف البعض ان الشيخ عمر مكرم كان الملاذ للمصرين من الظلم والبطش اثناء حكم المماليك ومن بعدهم الفرنسيين وصولا الي حكم محمد علي.

فقد ظهرت زعامته عندما تقدم المعارضين لحكم المملوكين ابراهيم بك ومراد بك وطالبهما بالغاء الضرائب الجائرة واقامة العدل وكان في ذلك الوقت هو نقيب الاشراف.

وحين احتل الفرنسيون الاسكندرية وزحفوا الى القاهرة قام الشيخ عمر مكرم بحشد المصريين الى جانب جيش المماليك من اجل مقاومة القوات الفرنسية وعندما سيطر نابليون على القاهرة عرض عليه ان يكون عضوا بالديوان الذي عهد اليه بادارة شئون مصر ولكنه رفض وفضل الهروب خارج مصر.

وحين رجع الى مصر ثانية فانه كان احد قادة ثورة القاهرة الثانية واضطر الى الهرب ثانية خارج مصر بعدما اجهض الفرنسيون الثورة .

وبعد رحيل الفرنسيين ووتزايد ظلم الولاة خاصة خورشيد باشا توجه المشايخ والعلماء بعد حدوث العديد من الاضطرابات الى محمد علي وقالوا له (انا لا نريد هذا الباشا واليا علينا ولا بد من عزله) فقال (ومن تريدونه يكون واليا) فقالوا له (لا نرضى الا بك وتكون واليا علينا بشروطنا لما نتوسمه فيك من العدالة والخير).

وقد كان هذا هو ما ينتظره محمد علي ويعد العدة له يوما بعد الاخر الذي تمنع ثم قبل هذا الطلب الشعبي من المشايخ والعلماء, وقد ادى هذا اى حدوث قتال بين جنود خورشيد باشا الذي تحصن بالقلعة وبين جنود محمد علي وقد انضم اليه الاهالي.

ولولا جهود عمر مكرم وتشجيعه لاهل مصر على المقاومة والوقوف مع محمد علي لربما اختلفت النتائج وما وصل محمد علي الى الحكم.

وقد ظل القتال بين الطرفين لما يقرب من اربعة اشهر حتى استتب الامر لمحمد علي وصدر بالفعل فرمانا بتوليته حكم مصر,ولكن ظلت احوال البلاد مضطربة لعدة شهور اخرى خاصة في ظل احتياج محمد علي للاموال لدفع رواتب الجند مما اضطره الى فرض ضرائب وغرامات على الناس وقد أدى ذلك الى جعل الاوضاع الاقتصادية تزداد سوءا فاجتمع الشيخ عمر مكرم وباقي المشايخ مع محمد علي وطلبوا منه الا يفعل كما فعل من سبقوه من الولاة والا عزلوه فوافقهم محمد علي وقبل ذلك على نفسه مضطرا.

ظل محمد علي يوقر الشيخ عمر مكرم ويجله امام الناس وباقي المشايخ مما اثار ضغينة بعض المشايخ ونقمتهم على الشيخ عمر مكرم وكرهوا المكانة التي وصل اليها, وظل الوضع هكذا حتى عام 1808 حيث حدث نقصان في فيضان النيل وارتفعت الاسعار وساءت الاوضاع الاقتصادية واتى عام 1809 لتزداد الاوضاع سوءا مع فرض محمد على لضرائب جديدة مما اثار الناس ودفعهم للذهاب الى المشايخ يستنجدون بهم فاجتمع المشايخ ومن ضمنهم الشيخ عمر مكرم واتفقوا على كتابة عريضة لمحمد علي يرفضون فيها تلك المظالم واتفقوا على عدم الذهاب اليه في القلعة الا بعد تنفيذ مطالبهم.

ويبدو ان محمد علي قرر ساعتها التخلص من عمر مكرم والقضاء على زعامته واستغلال حقد بعض العلماء عليه فارسل اليهم مبعوثه يحادثهم ويدعوهم الى الذهاب الى محمد علي والحديث معه مباشرة واخذ يجتمع مع كل واحد فيهم يحاول استمالته بعيدا عن عمر مكرم حتى نجح فيما خطط له وبالفعل ذهب بعض المشايخ لعمر مكرم لاقناعه بالذهاب الى محمد علي ويدافعوا عنه وينفوا ما صدر عنه من اوامر الا ان عمر مكرم رفض كلامهم واصر على موقفه بل انه يروى عنه قوله ساعتها ( اذا اصر الباشا على مظاللمه فاننا نكتب الىالباب العالي ونثير عليه الشعب وانزله عن كرسيه كما اجلسته عليه) فما كان منهم الا ان ذهبوا الي محمد علي بدونه.

واجتمع المشايخ مع محمد علي الذي ادرك ما بداخلهم من ضغائن لعمر مكرم واتفقت نواياه مع نواياهم فوافق على بعض مطالبهم واخبرهم برفضه للتهديد باثارة الرعية كما كان يحدث ايام المماليك وان من يثور ليس له الا السيف, وانصرفوا من عنده وقد تغير رايهم الذي اظهروه لعمر مكرم.

ظل محمد علي يحاول استمالة عمر مكرم بشتى الطرق ومنها الوعد بالاموال والمناصب ليقبل ان يذهب اليه, واخذ المشايخ من جانبهم الضغط عليه ليقبل بهذا فما كان منه الا ان وافق على لقاء محمد علي ولكن في بيت احد الشيوخ ورفض الذهاب اليه في القلعة. وما ان عرف محمد علي بهذا حتى ازداد غضبه, ويروي الجبرتي انه قال: بلغ به ان يزدريني ويامرني بالنزول من محل حكمي الى بيوت الناس.

وذهب محمد علي الى منزل ابنه ابراهيم وطلب من القاضي ومن المشايخ الحضور اليه وارسل الى الشيخ عمر مكرم يطلب منه الحضور للتحقيق معه, ورفض عمر مكرم الذهاب اليه فما كان من محمد علي الا ان اصدر فرمانا بنفي الشيخ عمر مكرم وتجريده من القابه وتعيين احد الشيوخ نقيبا للاشراف بدلا منه.ويقول الجبرتي انه لما عرف عمر مكرم بهذا القرار قال: اما منصب النقيب فاني زاهد فيه وليس فيه الا التعب واما النفي فهو غاية مطلبي.

وكافأ محمد علي من وقف معه من الشيوخ بتوزيع مناصب عمر مكرم عليهم وانعم عليهم بالاموال.

وهكذا تخلص محمد علي من عمر مكرم الذي كان اهم سبب في وصوله الى الحكم, ولم يمر عامان حتى دبر مذبحة القلعة وتخلص من المماليك وانفرد تماما بحكم مصر.

ولا اظن ان احدا ممن ايد نظام حكم ثم عارض قرارته واعلن رفضه لها سيكون في قدر عمر مكرم الذي رفض ان يغير رايه من اجل منصب او اموال ولم تشفع له مكانته او تحميه من بطش محمد علي.


إرسل لصديق