الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

عبد الناصر محمد يكتب: جماعة الدم.. ( 9 )

2020-01-23 17:26:06
عبدالناصر محمد

التفاصيل الدقيقة والحقيقة الغائبة فى إغتيال السادات
رصاصات الغدر الإخوانية تغتال بطل الحرب والسلام
" الإسلامبولى " خطط ونفذ الجريمة .. " الزمر " بطل من ورق

فى يوم الأثنين ٥ أكتوبر عام ١٩٨١ جلس الصول رمضان ٣٤ سنة يحتسى فنجانا من القهوة الذى أعدته له زوجته وسرح خياله وعاد بذاكرته إلى نفس ذلك التوقيت قبل ثمانية سنوات وتحديدا يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣ ليتذكر ملحمة النصر العظيم على العدو الصهيونى المتغطرس متأملا بكل فخر وإعتزاز فى ساقه اليسرى التى بترت فى الحرب المجيدة.
إرتسمت فى مخيلة الصول رمضان صورة زملائه فى كتيبة المشاة وهم يتسابقون لنيل الشهادة فداء للوطن منهم من نالها أمام عينيه وكم كان يتمنى أن يلحق بهم.
وكعادة كل عام قرر الإستعداد لمشاهدة العرض العسكرى فكلف شقيقه مجدى الذى يصغره بسبع سنوات بشراء نظارة مكبرة لتساعده فى مشاهدة الطائرات الفانتوم الجديدة التى ستدخل العرض لأول مرة وليستمتع بصحبة نجله فؤاد ٩ سنوات بالحركات البهلوانية التى يؤديها الطيارون بالطائرات والتى تنفث عنها ألوانا بديعة ولكى يطرب أذنه بأزيز الطائرات ويسترجع أجواء الحرب وعلى الفور قام مجدى بشراء ما طلبه منه أخوه الأكبر والذى طلب منه أيضا أن يساعده من خلال سلم خشبى فى الصعود إلى سطح منزله بأحد أحياء القاهرة فى صباح اليوم التالى لكى يستمتع بالعرض من أعلى نقطة ممكنة.
فى تمام الساعة الثانية عشر ظهر اليوم التالى .. الثلاثاء الموافق السادس من أكتوبر عام ١٩٨١ وقبل أيام قليلة من عيد الأضحى المبارك صعد الصول رمضان بمعاونة شقيقه إلى سطح المنزل وإصطحب معه نجله ممسكا فى يده النظارة المكبرة مستمتعا بمشاهدة الطائرات بمختلف أنواعها وبعد نحو ٢٥ دقيقة لاحظ الصول رمضان توقف حركة الطائرات وإختفائها من سماء القاهرة تزامن ذلك مع خروج إبنته فادية ١٠ سنوات مهرولة لتصيح بلهفة على والدها والذى ينزل مع شقيقه من سطح المنزل مسرعا ليرى ماذا حدث ليجد زوجته منخرطة فى البكاء قائلة لقد ضربوا السادات بالنار وقد إنقطع الإرسال من التليفزيون.
حالة من الصدمة والذهول سيطرت على الفور على الصول رمضان أحد أبطال النصر العظيم الذى تحقق بفضل الله وبفضل رجال الوطن المخلصون وعلى رأسهم الرئيس محمد أنور السادات.
شعر الصول رمضان بعدم القدرة على الكلام وسرعان ما تمالك أعصابه بعزيمة الأبطال وبدأ رحلة البحث عن تفاصيل عملية الهجوم على رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة وسط أبنائه من رجال الجيش.
**المشهد الأول
حالة نفسية متدهورة تسيطر على الرئيس محمد أنور السادات نتيجة الهجوم اليومى الحاد الذى تعرض له من جميع الدول العربية والإسلامية وقوى المعارضة الداخلية منذ قيامه بإبرام معاهدة السلام مع إسرائيل عام ١٩٧٧ بشكل منفرد لدرجة وصفه بالخائن والعميل والطاغية والفرعون.
إستمرت هذه الحالة مما دفع السادات إلى إتخاذ قرارات التحفظ يوم ٥ سبتمبر ٨١ والتى تتضمن إعتقال نحو ١٥٣٦ من الشخصيات العامة ومن أبرز قوى المعارضة وقد شملت إعتقالات سبتمبر شخص يدعى محمد أحمد شوقى الإسلامبولى.
تزامن ذلك مع تزايد نشاط الجماعات الإسلامية المتشددة والتى أعلنت تكفير السادات مع ظهور " شبح " عبارة عن أحد الضباط فى المخابرات الحربية والذى هرب من الجيش وهو منتمى عنصر إخوانى فى الأصل وإنتمى إلى جماعة سرية أطلقت على نفسها إسم " الجهاد " وهذا العنصر هو عبود الزمر الذى أصبح قائد الجناح العسكرى بهذه الجماعة وأصبح له شأن حتى بين أجهزة الدولة لدرجة أن السادات هدده شخصيا فى خطابه الشهير أمام مجلس الشعب فى سبتمبر ٨١ علما بأن عبود هذا كان أضعف من ذلك بكثير.
*المشهد الثانى
يوم ٢٣ سبتمبر تم إبلاغ الملازم أول بسلاح المدفعية الفرقة ٣٣٣ خالد أحمد شوقى الإسلامبولى وشقيقه من بين المعتقلين بأنه سوف يشارك فى العرض العسكرى يوم ٦ أكتوبر إحتفالا بذكرى النصر العظيم.
خالد هو نجل محامى منتمى لجماعة الإخوان ولهذا السبب كان سيتم استبعاده من الكلية الحربية لولا أن تم عرض أمره على السادات بإعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة والذى قرر قبوله قائلا " لا يؤخذ بذنب أبيه " !!
وفى حقيقة الأمر أن خالد مان متأثرا جدا بأفكار والده وكذلك شقيقه محمد " المعتقل " وقد حرص هذا الأخير على تعرف خالد على جميع أصدقائه بالجماعات المتشددة ولكن فى سرية تامة.
اليوم .. الجمعة .. ٢٥ سبتمبر ٨١ وبعد حضوره بروفات العرض إتجه خالد الإسلامبولى لمقابلة محمد عبدالسلام فرج أحد المتأثرين بشدة بفكر سيد قطب وهو أمير جماعة الجهاد ومؤلف كتاب " الفريضة الغائبة " ذلك الكتاب الذى كان ترخيصا رسميا وتحريضا صريحا على قتل السادات.
الأمير إستقبل ضابط المدفعية شقيق صديقه الحميم ورفيق دربه بحفاوة بالغة وفاجئه الضابط بأنه سوف يحضر العرض يبعده عن المنصة عشرون مترا فقط ولو توافرت الإمكانيات فإنه يسهل عليه قتل السادات ووافق الأمير على الأمر وبدأ فى دراسة خطة الإغتيال.
*المشهد الثالث
بعد مشاورة الأمر مع عدد من أقطاب الإخوان صدرت فتوى بإباحة دم الرئيس السادات مع التركيز قدر المستطاع على قتله بمفرده وكان من بين هؤلاء الأقطاب الشيخ عمر عبدالرحمن والشيخ عبدالله السماوى.
قرر الإسلامبولى بإعتباره قائد السرية منح ٣ جنود أجازة وإستبعادهم من العرض وقام بتحرير خطاب مزور ملحق للعرض من قيادة اللواء يفيد بضم ٣ جنود آخرون للعرض وهم أعضاء بالجماعة والذين تم إختيارهم عن طريق الأمير محمد عبدالسلام فرج وهم رقيب متطوع حسين عباس من أبرز القناصين فى مصر وعطا طايل ضابط إحتياطى سابق وعبدالحميد عبدالسلام ملازم سابق بالقوات الجوية وللغرابة أنه تم خداع الجميع ومكثوا الثلاثة بالخيمة المخصصة للإسلامبولى.
ونظرا لأن جميع الأسلحة المستخدمة فى العرض بلا ذخيرة وبدون إبر ضرب النار فقد قام الأمير بإصدار أوامره لأتباعه بتوفير ما يلزم فقد تم توفير ٩١ طلقة للبنادق الآلية عن طريق نبيل نعيم وأيمن الظواهرى و٤ قنابل عن طريق صالح محمد صالح جاهين و٣ إبر ضرب نار عن طريق الرائد ممدوح أبوجبل بالقواتبالقوات المسلحة و٤ طلقات " خارق حارق " عن طريق عبود الزمر وسلمها إبن عمه طارق الزمر إلى أمير الجماعة ووضع خالد كل هذه الذخيرة فى شنطة " سامسونايت " وأدخلها إلى خيمته فى مكان تجمع قوات العرض بإستاد القاهرة.
*المشهد الرابع
نظرا للحالة النفسية السيئة التى كان عليها السادات خاصة فى ظل تحذير كل من حوله بأن هناك محاولات لإغتياله فى العرض بما يستدعى التأمين جيدا فكما لو كان السادات أراد أن يثبت لنفسه وللجميع أنه لا يخشى الموت وأنه يثق فى أولاده أفراد القوات المسلحة ثقة عمياء فقد رفض أن يرتدى القميص الواقى رغم تحذيرات كلا من النبوى إسماعيل وزير الداخلية آنذاك والعميد محمود المصرى قائد الحرس الجمهورى والعميد نبيل عبدالجواد قائد منطقة المنصة والمشرف على تأمينها بل أن السادات قرر إلغاء كل العمليات التأمينية بدءا من المدرعتان المقرر وقوفهما يمين ويسار المنصة وكذلك الطائرة الهليكوبتر أعلى المنصة وكذلك ضابط الحرس الجمهوري الجالس أمام المنصة وهذه التعليمات تم تنفيذها قبل بداية العرض بدقائق لدرجة أن الكرسى المخصص لضابط الحرس أمام المنصة ظل موجودا أما الضابط فقد تم سحبه من عمليات التأمين تنفيذا لأوامر السادات كما لو كان السادات نفسه يمهد الطريق لإغتياله.. ولكنها تدابير القدر لينال الشهادة!!
*المشهد الدامى
بدأ العرض العسكرى فى تمام الحادية عشرة يوم ٦ أكتوبر ١٩٨١ ذلك العرض الذى شهد أموراغريبة غير مدبرة من بينها تعطل دراجة بخارية أمام المنصة فى تمام الساعة الثانية عشر وخمس دقائق وحاول مستقلها سحبها فانجرفت قدمه وسقط على الأرض وسقطت الدراجة فوقه فقام جندى بالحرس الجمهورى بمساعدته حتى قام بسحبها.
وفى تمام الساعة الثانية عشرة والثلث تماما ومع بداية طابور عرض المدفعية تتوقف عربة تجر مدفعا ينزل منها خالد الإسلامبولى ويترجل نحو المنصة لمسافة مترين من العربة وهو يصيح بكلمات غير مسموعة وأثناء إنشغال كل من بالمنصة بتحليق الطائرات الفانتوم الجديدة فى الجو ينتبه السادات ويسأله " فى ايه يا ولد " يقوم الإسلامبولى بإلقاء قنبلة يدوية سقطت أمام المنصة ولكن لم يصب أحد ينبطح الجميع تحت المنصة عدا السادات الذى ظل واقفا وقال بعصبية " معقول .. ليه كده يا ولاد " فى الوقت نفسه يصوب حسين عباس وعبدالحميد عبدالسلام وعطا طايل بنادقهم الآلية فى إتجاه الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة بطل حرب أكتوبر المجيدة الذى كان مذهولا مندهشا مصدوما لسان حاله يتسائل " ليه ؟!! " فأصابته رصاصة فى الجانب الأيسر من جسده وظل مظروفها يخترق جسده فوصل للقلب ثم الصدر ليواصل إختراقه ليستقر فى " الترقوة " ما بين الكتف والعنق.
قفز الثلاثة من العربة قام خالد الإسلامبولى بالرجوع للعربة وأمسك سلاحه الرشاش وإتجه نحو مقعد الرئيس فيما إتجه عبدالحميد نحو الجانب الأيسر من المنصة وألقى قنبلة لم تنفجر وعطا إتجه ناحية يمين المنصة وألقى قنبلة لم تنفجر أيضا فيما قام حسين عباس بتغطيتهم.
ظل المجرمون يطلقون الرصاص بشكل عشوائى بلا أدنى مقاومة ثم قام عبد الحميد بالصعود إلى المنصة بحثا عن السادات والذى كان منبطحا على وجهه من أثر الإصابة القاتلة فأطلق عليه رصاصة أصابت الجثمان من الخلف وطعنه بسونكى السلاح.
كل هذه الأحداث تمت فى مدة لم تتجاوز ٤٠ ثانية فقط بعد ذلك تدارك بعض ضباط الحرس الجمهوري الموقف وقاموا بإطلاق الرصاص على الجناة وأصابوا الثلاثة خالد وعبدالحميد وعطا أما حسين فقد هرب وتم القبض عليه فى اليوم التالى للعملية وحكم عليهم الأربعة مع خامسهم محمد عبدالسلام فرج أمير الجماعة بالإعدام وقد ظنوا واهمين أنهم سوف يذهبون إلى الله بقربان يدخلهم الجنة ونجد عبود الزمر الذى كان له دور هامشى للغاية والذى أراد أن يحول نفسه إلى بطل يعترف أمام المحكمة أنه قاتل السادات تحركه شهوة الشهرة وإدعاء البطولة ولكنه فى حقيقة الأمر مجرد بطل من ورق.
*التقرير الطبى
أثبت التقرير الطبى أن السادات مات لسببين الأول إصابته بالرصاصة الأولى والثانى تعرضه لصدمة عصبية عنيفة وهو التقرير الصادر من مستشفى المعادى للقوات المسلحة.
***
يا كل ضحايا الحروب إملأوا الأرض والفضاء بتسابيح السلام إملأوا الصدور والقلوب بآمال السلام إجعلوا الأمل دستور عمل ونضال وإرادة الشعوب هى من إرادة الله
محمد أنور السادات
**المراجع
القضية ٧ لسنة ١٩٨١ أمن دولة عليا عدد صفحات ٣٥ ألف صفحة
مذكرات وإعترافات كلا من:
النبوى إسماعيل وزير الداخلية الأسبق _ فؤاد علام مدير مباحث أمن الدولة الأسبق _اللواء نبيل عبدالجواد المشرف العام على المنصة أثناء العرض_ المستشار إبراهيم عبدالسلام طه من هيئة المحكمة فى قضية إغتيال السادات.


إرسل لصديق