الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

السترات الصفراء

2019-01-23 22:36:48
د. إبراهيم عبدالرحمن الشرقاوي
د. إبراهيم عبدالرحمن الشرقاوي
د. إبراهيم عبدالرحمن الشرقاوي

حركة السترات الصفراء أو كما يطلقون عليها بالفرنسية Mouvement des gilets jaunes هي حركة احتجاجية شعبيّة بدأت في شهر مايو 2018 ثم زادت شهرتها وقوّتها في شهر نوفمبر من نفسِ العام .

اختارت الحركة السترة الصفراء رمزاً مميزاً لها باعتبار أنّ القانون الفرنسي يفرضُ منذ عام 2008 على جميع سائقي السيارات حمل سُترات صفراء داخل سياراتهم عند القيادة كإجراء وقائي حتى يظهر للعيان في حالة اضطرار السائق الخروج من السيارة .

كان الهدف في البداية من الحركة التنديد بارتفاع أسعار الوقود وكذلك ارتفاع تكاليف المعيشة ثم امتدت مطالِبها لتشملَ إسقاط الإصلاحات الضريبية والتي ترى الحركة أنّها تستنزفُ الطبقتين العاملة والمتوسطة فيما تُقوّي الطبقة الغنيّة . ورفع الحد الأدنى للأجور ثم تطوّرت الأمور لتصل إلى حدّ المناداة باستقالة رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون .

ظهرت الكثير من الإشاعات حول حركة السترات الصفراء ، حيث وصفها البعض بأنها حركة تخريبية يقوم بها بعض الفرنسيين من أصول عربية من شمال أفريقيا أسوة بالربيع العربي ، وأن الهدف من الحركة هو التخريب والسرقة وإحداث الفوضى في فرنسا ، حتى أن البعض حاول اصطياد بعض العرب المشاركين في التظاهرات من خلال مقاطع الفيديو والصور والتركيز عليهم دون سواهم خاصة مثيري الشغب منهم والتغطية على غيرهم .

وأنا كغيري من المتابعين لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة صدقت تلك المقولة التي تلقي باللوم على الفرنسيين من أصول عربية واقتنعت بها ، ولكن شاءت الظروف أن أسافر إلى باريس وأن أحضر تلك التظاهرات بنفسي لأقف على حقيقة الأمر ، فأكثر ما شد انتباهي أنها حركة سلمية - طالما لم يستفزهم رجال الأمن المتواجدون بكثرة - ويعبرون عن احتجاجهم بصيحات عادية بعضها مصحوب بالموسيقى يطالبون فيها بإسقاط الرئيس الفرنسي ، كما أن المتظاهرين جلهم أو غالبيتهم العظمى من الفرنسيين ذوي العرق الأوروبي أو كما يطلق عليهم أصحاب الشعر الأشقر ، نعم شاهدت بعض المشاركين من أصول أسيوية أو عربية إلا إن أعدادهم لا تذكر مقارنة بالفرنسيين الأصليين ، وهذا أمر طبيعي خاصة أن هؤلاء المهاجرين أو أبناء المهاجرين وهم من الطبقة الفقيرة فمن حقهم أن يطالبوا برفع الضرائب العالية عن كاهلهم .

وفي الأيام التالية أخذت استطلع آراء بعض الفرنسيين الذين التقيتهم سواء في الطريق أو المقاهي أو المطاعم أو المحلات أو الفنادق وغيرهم أفادوا لي بأنهم لم يشاركوا في التظاهرات إلا أنهم يؤيدون حركة السترات الصفراء ومطالباتهم التي وصفوها بأنها مشروعة ، حتى فيما يتعلق بإسقاط الرئيس على اعتبار أنه يدعم الأغنياء ضد الفقراء ، بل إن بعض الأحزاب المعارضة دخلت على الخط إلى جانب الحركة مؤيدة إسقاط الرئيس الفرنسي .

كما إن استطلاعات الرأي في فرنسا أظهرت أن حركة السُترات الصفراء تحظى بتأييدٍ واسع النطاق في فرنسا حيثُ يؤيدها ما بين 73% إلى 84% ، وأشارَ استطلاع رأي آخر أن 72% من الشعب الفرنسي يؤيد السترات الصفراء فيما يُعارض 85% منهم العنف الذي يرتكبه قلة من المشاركين في الحركة .

وهذا دليل واضح على مدى شعبية هذه الحركة التي تحظى بتأييد واضح وكبير من غالبية الشعب الفرنسي .

وقد ظهرت حركات مشابهة لحركة السترات الصفراء في عدد من الدول منها العاصِمة البلجيكيّة بروكسل التي شهدت هي الأخرى مظاهرات عنيفة ، واجتمعَ متظاهرون ارتدوا السترات الصفراء في هولندا للاحتجاج على أوضاع المعيشة في البلاد ثم انتقلت هذه الاحتجاجات إلى صربيا ، وفي الوطن العربي ارتدى متظاهرون في البصرة وبغداد سترات صفراء وخرجوا في تظاهرات لمطالبة الحُكومة بتوفيرِ مزيد من فرص عمل وتقديمِ خدمات أفضل .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل


إرسل لصديق