الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

برلمان وأحزاب

البحث فى الجذور (10) .. ماذا لو استمر المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى حكم مصر إلى اليوم؟!

2019-01-26 01:44:47
المجلس العسكرى فى 2011
المجلس العسكرى فى 2011
حسام السيسى

الباعث على البحث والتفكير، أن ثمة ضرورات تاريخية وحتميات أوصلت مصر إلى تلك الحالة التى تولدت من صيرورات ساهمت فى تحديد مسارها قرارات وخيارات مختلفة فثورة يناير قرعت جدران نظام مبارك لحثه على إصلاح ذاته لأنها لم يكن لديها البديل لانتزاع السلطة كما فى كل الثورات حول العالم.

النجاح الذى أحرزته الثورة فى الشارع الوطنى لم يصل ولم يسوق بعد لجميع المصريين، ولم يأتى ضمن قراءة دقيقة تطرح الرؤية الاستراتيجية، وربما يتجاوز الزخم العاطفى إلى نظرة العقل المؤمن بمبدأه ومشروع حرية وطنه، وهو ما يحتاج مصارحة ومداولة.

فى الثورة المصرية كان المطلب الأساسى أن يكون المجتمع مصدر السلطات وأن تكون الأخيرة انعكاسًا حقيقيًا للعملية الديمقراطية الانتخابية: تحت ضغط قوة الشارع تنازل المخلوع مبارك وقام بنقل وتفويض سلطاته إلى «المجلس الأعلى» للقوات المسلحة الذى حكم فى فترة 11 فبراير 2011 إلى 30 يونيو 2012 كان هناك ثنائية بين المجلس والقوة الأقوى فى الشارع حينها وهى الجماعة الإرهابية.

نقف هنا لنتساءل فى "عاشر" محطة من محطات "الديار" البحث فى الجذور.. ماذا لو استمر المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى حكم مصر لليوم؟!.

بدأ المجلس حكمه ببيان أكد فيه أنه سوف يسلم الدولة لسلطة مدنية خلال ستة أشهر أو بانتهاء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقرر تكليف حكومة أحمد شفيق بتسيير شئون البلاد، ثم قام المجلس بتشكيل لجنة قانونية للتعديلات الدستورية، ولقد حظى وصوله إلى السلطة بالحفاوة والتأييد، من جموع المصريين والقوى السياسية, وقد نال المجلس شرعيته عندما التزم الحياد أمام مشاهد الصدامات الدموية بين الثوار وقوات الأمن. وانعقدت الآمال العريضة عليه لما عانى منه المصريون من استبداد وقهر وإفقار.

جاء المجلس إلى الحكم بلا راية سياسية محددة، حزبية كانت أو مذهبية، كذلك تحمّل عبء أزمات صنعها نظام مخلوع. ولكنه لم يتخذ خطوات بالسرعة سواء على صعيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أو على صعيد السياسة الخارجية، أو على صعيد إعمال العدالة ومحاسبة النظام المخلوع، حتى أكثرها ثورية.

ملامح جمهوريته

لقد اختار "المجلس العسكرى" منذ اللحظة الأولى التى تولى فيها إدارة شئون البلاد طريق الشرعية الدستورية لا الشرعية الثورية، بالرغم من أن وجوده فى موقع رئيس الدولة فعليًا كان نتيجة ثورة وقف معها منذ أن نزلت القوات المسلحة إلى الشارع بعد ظهر الجمعة 28 يناير وكان موقفه واضحًا من حيث إنه يقوم بمهمة مؤقتة فى مرحلة انتقال يسّلم البلاد بعدها إلى حكم مدنى منتخب؛ ولذلك بدأت مرحلة انتقالية كان وجود "المجلس العسكرى" فيها على رأس السلطة نتيجة حالة ثورية، ولكنه أراد أن تكون إدارته لهذه السلطة من خلال شرعية دستورية.

ارتباك المسار السياسى الانتقالى هو كل ما أخطأ فيه المجلس العسكرى، فقد أخطأ عندما لم يستدع الشعب للمشاركة المباشرة فى اختيار مستقبله إلا مرة واحدة فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

لم يقّدر المجلس أهمية حضور الشعب ولذلك اختار مسارًا سياسيًا لبناء النظام الجديد من أعلى البرلمان والرئاسة وليس من أسفل المحليات والنقابات العمالية والمهنية والجامعات وغيرها وقد قُدِّمت إلى المجلس اقتراحات تفيد أن بناء الديمقراطية يكون أفضل وأكثر صلابة حين يبدأ من أسفل.

غير أن افتقاد الخبرة السياسية حال دون تقدير المجلس أهمية استحضار الشعب بشكل مباشر حتى لا يضطر إلى الاستماع إلى كل من يقول إنه يعبر عن هذا الشعب، أو يحمل لواء الثورة، أو يبحث عن موقع، أو يسعى إلى هدف عام أو فئوى.

السياسة الخارجية للمجلس

عقب تنحّى مبارك أعلن المجلس الأعلى أن مصر ملتزمة بكافة المعاهدات والاتفاقيات التى وقّعت عليها. فكانت رسالة واضحة لا تغيير فى السياسة الخارجية، كامب ديفيد كما هى محل التزام نظام ما بعد مبارك.

الحقيقة أنّ الإجابة جاءت بلا سؤال، فقد كان ذلك تطوعًا من طرف واحد، فيما الحديث عن استقلال القرار الوطنى والحفاظ على السيادة وعدم الخضوع لأى ضغوط أو توجيهات خارجية وتفضيل إرادة الشعب، ما كان ليعنى، إن قيل، إعلان حرب على أى طرف، أو خرق أى اتفاق أو معاهدة.

سلطات حكومته

حكومة المجلس الأعلى كانت منزوعة السياسة. فلم يُعرف عن أحد من وزرائها ممارسة العمل السياسى طول حياته باستثناء ثلاثة جئ باثنين منهم من حزبين معارضين الوفد والتجمع فى وزارتين ثانويتين، وعُين الثالث الذى كان فى منطقة وسط بين النظام السابق والمعارضة نائبًا لرئيس الحكومة ولكنه عجز عن مد أى جسر مع شباب الثورة وانحاز إلى أطراف ضد أخرى فى الساحة السياسية.

وكان تشكيل الحكومة على هذا النحو عبئًا على المجلس العسكرى بدلًا من أن يكون عونًا له ومع ذلك، لم يبادر إلى أى تغيير فيها بل تواترت روايات تفيد أنه رفض مثل هذا التغيير عندما طلبه رئيسها مقترحًا استبدال سبعة وزراء.

كما رفض استقالة نائب رئيس الحكومة بالرغم من توسع نطاق المطالبة بتغييره فى مظاهرات واعتصامات ومؤتمرات عدة. وحتى عندما وافق رئيس الحكومة على استقالته، رفضها المجلس العسكرى.

موقف المجلس من تحقيق أهداف الثورة

الموقف المشرف الذى اتخذه الجيش مع الثورة منذ بدايتها يكفى تمامًا وبشكل حاسم لاستبعاد الافتراض الخاص بالتواطؤ مع عناصر الثورة المضادة على عدم تحقيق أهداف الثورة أو حتى أن تكون الأخطاء التى وقع فيها المجلس العسكرى مقصودة.

ومع ذلك أفسح التباطؤ مجالًا لمثل هذا الافتراض الذى سعى بعض أتباع النظام السابق وآخرون أصحاب مصالح خاصة إلى تغذيته فى إطار محاولات بدأت مبكرًا للوقيعة بين الشعب والجيش.

فكانت النتيجة هى أن قنوات الاتصال لم تكف، على كثرتها، لتحقيق تواصل بنّاء بين المجلس وكم هائل من الأحزاب والجماعات والائتلافات التى تكاثرت كالفطر، ولا للحيلولة دون توسع الفجوة التى أخذت فى الازدياد نتيجة التعارض بين الأداء البطئ والتوقعات الثورية التى تسابق الزمن وعندما تتوسع مساحة الفجوة، قد يظن بعض الأطراف أنهم يستطيعون استغلالها لمآرب خاصة تتقاطع مع الأهداف العامة للثورة ولكنها لا تتطابق.

ولذلك سعى البعض إلى استغلال حالة الارتباك فى المسار السياسى لإعادة طرح مطلب طرحته بعض قوى الثورة فى وقت مبكر ولم يحدث توافق عليه، وهو إنشاء مجلس رئاسى مدنى يعاون المجلس العسكرى، فى صيغة جديدة وهى أن يكون بديلًا عنه.

بدا الأمر حينها كما لو أن الثورة تتجه إلى صدام مع المجلس العسكرى. ولعل هذا يفسر حدة البيان الذى أكد فيه أنه لن يتخلى عن دوره فى إدارة شئون البلاد، ولن يسمح بالقفز على السلطة أو تجاوز الشرعية لأى من كان، وإنه سيتخذ ما يلزم من إجراءات لمجابهة التهديدات التى تحيط بالوطن.

عندها نجح التيار الغالب بين قوى الثورة فى تصحيح هذه الممارسات بسرعة، وأصدرت 17 من أهمها بيانًا أعاد تأكيد سلمية الثورة، وكذلك أحزاب التحالف الديمقراطى من أجل مصر التى أضافت تجديد ثقتها فى المجلس العسكرى مع تأكيد ضرورة الإسراع لتحقيق أهداف الثورة.

ونختم هنا بالقول لقد ظلت علاقة المجلس مع قوى الثورة متوترة وكانت تستدعى من المجلس تطوير الأداء وقراءة المشهد بصورة أوضح ولكن افتقاده للحنكة السياسة جعل المجتمع المصرى تحت قيادته يشهد استقطابًا بالغًا، وسط حالة من الشحن والشحن المضاد وزاد التأزم فى الشارع المصرى.

ولكن يحسب للمجلس حماية أمن البلاد والمحافظة على الدستور والقانون، ولكنه كان خيارًا مهزوزًا لا يصلح لأن يستمر فى حكم البلاد.


إرسل لصديق