الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

الكذب الإستيراتيجي والنفاق الأيديولوجي ...

2019-01-29 20:14:09
محمد فياض
محمد فياض
بقلم / محمد فياض

قد يضطر القادة في العلاقات الدولية إلى ممارسة الكذب ومن أجل غاية يعتقدها القادة في مصلحة شعوبهم ..ومادام الكذب ميدانه الجماعة الدولية كأن يكذب رئيس دولة على نظيره لدولة أخرى -وإن كنا نعتقد أن نظيره هذا لايجد صعوبة في اكتشاف كذبه - ويُعَدّ ذلك مبرراً لا أستسيغ ممارسة القادة ذلك الكذب في ميدان الشعوب التي يديرون مصالحها بوكالة قانونية أتتهم عبر صناديق الإقتراع في بلدان تمارس شعوبها الديموقراطية .أو حتى انتزعت لنفسها هذه القيادة أو تلك سلطة الحكم .

ونحن هنا أمام قضيتين غاية في الخطورة :-

أما الأولى:ربما نقبل ممارسة القادة للكذب في العلاقات الدولية من نوعه الإستيراتيجي لتحقيق غايات محددة بعينها وفي زمن محدد وضد دولة أو دول مسمّاه .ونقبل هنا ربما ممارسة الكذب الاستيراتيجي من حالة ضعف في القدرة بمفهومها الشامل .وبما لايمكن في حال عدم كذب القادة أن يتحقق للدولة مبتغاها الذي أرادت..ويحدث ذلك ويعد مقبولا في حالة الحروب.

والثانية: أن يمارس القادة الكذب على شعوبهم بما لايجعل الكذب استيرتيجيا ويُفقِده اعتباره لغاية المصلحة العامة للشعب المكذوب عليه.وفي هذه الحال يُفتَرَض ضعف القادة ولايبرر حفاظهم على كراسي الحكم ممارسة الكذب .

.....قد يعتقد البعض أن الكذب الإستيراتيجي مبرر ومن القوة ..ويعتقد آخرون أنه من ضعف وغير مبرر في العلاقات الدولية بما يجعل منتوجه ليس بمأمن من استفحال الخطر وبالتالي الخسائر التي يُبتَلَى بها الشعب ..والمدّعَى ممارسة كذبا إستيرتيجياً لمصلحته بما يتجاوز أضعاف ماكان يحدث في عدم إتيان القادة لآفة الكذب .
...إن ممارسة القادة في الولايات المتحدة الأمريكية مكارثية عنيفة ومتشظية في العلاقات الدولية طرح جانباً إمكان إعتبار ممارسة الكذب الإستيراتيجي يأتي من ضعف -للوهلة الأولى لصدوره عن قادة دولة عظمى مدججة بالسلاح حتى أسنانها-. فيكذب فرانكلين روزفلت في عام ١٩٤١ أن ألمانيا هاجمت السفينة البحرية " جرير" في أغسطس _ ولم تكن تلك الحادثة البحرية صادقة_لكنها كانت في إطار الكذبة الإستيراتيجية التي قدمها الرئيس روزفلت إلى الشعب الأمريكي ليبرر تحقيق رغبته في دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية .لتنكشف كذبة روزفلت بعد ذلك .

لكن الرئيس الأمريكي ليندون جونسون يعاود ممارسة الكذب في خصوص أحداث خليج تونكين في صيف العام ١٩٦٤ إستيراتيجياً من أجل الحصول على دعم الكونجرس لشن الحرب على فيتنام .ويكشف العالم ويكتشف الشعب الأمريكي كذب رئيسه عليه وعلى الكونجرس من أجل الذهاب إلى حرب كانت في النهاية خاسرة بكل المعايير العسكرية والاقتصادية ..ولما كان الكذب أكبر إنتهاك يرتكبه الإنسان في حق نفسه كما قال أوجستين في القرن الخامس وأكده إيمانويل كانْتْ في القرن ال ١٨ .لكن النفعيون يرونه منطقياً في بعض الأحيان ..في بعضها وليس كلها بالتأكيد .

وأكدت كل الشرائع السماوية على كراهة الكذب وتجنب مجالسة الكاذب .
ومامن مناسبة دولية إلا ومارس فيها قادة أمريكا الكذب وبفجاجة لاتخلو من احتقار الآخر من أعضاء الجماعة الدولية .ففي مذكرته ( في قلب العاصفة) قال جورج تينيت :.." لم تكن لدينا خبرة سابقة مع بلد آخر ليست لديه أسلحة دمار شامل لكنه كان يتظاهر بأنه يمتلكها .." ويقصد تينيت عراق صدام حسين وقد أكد أن العراق لايمتلك الأسلحة المزعومة كمبرر للقادة في واشنطن لغزو العراق وتشظي مكارثية بوش لتطال حلفاء الولايات المتحدة من الدول الغربية ..

ولم يكتفِ بوش بممارسة الكذب بل وقيادات عليا في أركان نظامه ..فقد جاء تقرير دولفر والذي تم وضعه في ٢٠٠٤ وصدر كنتيجة تفتيش أكثر من ألف عضو برئاسة تشارلز دولفر عن أسلحة الدمار الشامل في الأراضي العراقية ليؤكد بالقطع ..". إن دوافع صدام (للتحايل) حول امتلاكه تلك الأسلحة جعلت الإفصاح للمجتمع الدولي بأنه لايمتلكها وعلى الأخص لإيران أكثر خطورة .."
ويؤكد دولفر اليقين بعدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل والذهاب إلى الكذب على العالم وعلى الشعب الأمريكي استناداً لمبرر - وفق تقرير دولفر- عذر أقبح من ذنب مفاده أن معرفة إيران بحقيقة عدم إمتلاك صدام العرب للأسلحة المذكورة سوف يحافظ على السلام في المنطقة ويُصَدّر الردع إلى طهران بما يحمي المنطقة من ويلات الحرب ..لكنه في ذات الوقت وبالكذب الإستيراتيجي لقادة واشنطن يجعل من القنابل العنقودية التي تطلقها القاذفات العملاقة بي ٥٢ برداً وسلاماً على الشعب العراقي وبالتالي المنطقة كلها.!!.وبالرغم من أن العراق كان يعلن صراحة عدم امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وتعلم القيادات العليا في أمريكا صدق التصريحات لكنها كانت تصمم على الكذب.
وإن كانت الولايات المتحدة تمارس الكذب وتتبعها بريطانيا وفرنسا وألمانيا في الأزمة السورية وتوالت الأكاذيب والتلفيقات الخائبة والمكشوفة للعالم عن استخدام الجيش العربي السوري للسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية وكذلك في درعا وفي مناطق عدة بتأليف سيناريوهات تخلو من الحبكة التي تنم عن مدى عبقرية المؤلف وكشفت عن غباء كتبة السيناريوهات وممثلي الأدوار على المسرح السوري ( أصحاب الخوذ البيضاء) .

إن الذين اعتقدوا أن الكذب الإستيراتيجي في العلاقات الدولية مبرر بل ومباح لغاياته حماية الشعب _ الأمريكي والغربي البريطاني الفرنسي الألماني ..هنا.._ لايدرك أنه يأتي لغباء القادة وعدم وعيهم الحقيقي بمصالح شعوبهم إذ لايدوم طويلاً الإنتصار في معركة ..فماهي إلا أيام أو حتى سنوات وينكشف الكذب ويسقط القادة وتسقط بالتالي الشعوب في مستنقع غباء عدم درايتهم الكافية بقادتهم لتتلوث سمعة تلك الشعوب وتنال نصيباً جماً من الكراهية..وتتأهب الدول المكذوب من أجل كسب معركة معها لإشعال بقية حلقات المعارك ضد مصالح الشعب الأمريكي ونظيره الغربي المتشظية مكارثية أمريكا لتطالهم وتكسب الدول الخاسرة لمعركة الجولة الأولى الحرب وبشرف .

إن حجم الأكاذيب التي أطلقها القادة في الولايات المتحدة والعواصم الأوروبيةكان كافياً لحرق المنطقة وإلحاق الهزيمة الساحقة والمدمرة بالجمهورية العربية السورية ..لكن ما مارسته العربية السورية من صدق في كل مراحل المعارك أعطى الشعب السوري والجيش العربي مناعة ضد السقوط وأعطى مبرراً حقيقياً سوف يكون بمثابة الدرس الأول في الإستيراتيجيات العسكرية يتم تدريسه للطلاب حول العالم عن كيف انتصر الصدق على الكذب الإستيراتيجي في الجغرافية السورية .! .
.... والذين يعتقدون أن الكذب غير مبرر وأنه آفة لاتحقق نصراً .وأن الضعفاء هم فقط كاذبون ..وبالتالي نستخلص حقيقة جلية لكل متابع تثبت ضعف الولايات المتحدة الأمريكية وأنها بحق تمارس الكذب الإستيراتيجي من ضعف لا من قوة .
وأن ممارسة الكذب لقوة ضد نواميس الطبيعة التي جُبِلَت عليها.
.....أما أن يمارس القادة الكذب على الشعوب فهذا يؤكد الرعب وليس الضعف .فالقادة الكبار الذين خلدهم التاريخ لم يتم ضبطهم في حالة تلَبُّس واحدة يكذبون على شعوبهم أمثال الزعماء عبدالناصر ونهرو وتيتو ومهاتير محمد والأسد .
وفي الأخيرة _ أي في حالة أن يكذب القائد على شعبه - فلاثمة تفسير يمنطق الكذب سوى الإرتكان إلى قوة أخرى خارجية للإستقواء على الشعب وفي حقيقة هذه القوة أو حتى تلك القوى لايعدو الأمر أن يكون مجرد وعود ..فللشعوب قدرات هائلة لايقدر عليها لا الواعد ولا الموعود ..ويركن القادة دائماً إلى ممارسة قدراً من النفاق للشعوب وعليها ..فثمة أجندات ومشروعات سياسية واجتماعية نعتبرها برامج يدعو القائد شعبه للتصويت عليها بتمكينه من الحكم لأجل تنفيذها لصالح الشعب ..وفي حقيقتها أيديولوجيات تتخاصم مع معتقدات القادة لكنهم يقسمون بأغلظ الأيمانات على وضعها موضع التنفيذ .وينهج مشروعاً أيديولوجياً لاينتصر إلا لخصوم الشعوب الإجتماعيين والإقتصاديين .
وحتى يتم إلهاء الشعوب عن الفتك بالقادة الذين يمارسون عليها الكذب الإستيراتيجي في الداخل ..في كل مناحي حياتهم ..يستجيب القادة لمشروع الكاذبون الدوليون لتدويل الكذب الإستيراتيجي الخاص ضد الشعوب واستنهاض تلك الشعوب لكذبة استيراتيجية أخرى تلتهم الذهنية الجمعية نخبوية وشعبية للإنخراط في نفاق أيديولوجي ..بوعي أو دون وعي..وقد استخدمت الولايات المتحدة الحكام لممارسة النفاق الأيديولوجي وإرسال جيوش من الشباب للحرب على أعتاب الإتحاد السوفييتي بزعم محاربة الكفار والشيوعية لتستدير أمريكا أيضاً لإعادة العرب الأفغان كأمراء لمجموعات وتنظيمات إسلاموية إرهابية لتمزيق بلادنا .ووقع الحكام مابين خطيئتين الكذب الإستيراتيجي والنفاق الأيديولوجي .والذي مارسته الحكام ومازالت في دول كثيرة من العالم بتقديم خطاب سياسي أيديولوجي منحاز إلى الطبقات الإجتماعية الفقيرة ..وفور التصويت على الخطاب ينحاز القادة إلى طبقة أخرى يميناً ..ولاثمة مانع من منافقة تلك الطبقات من آنٍ لآخر بجملة أو إثنتين ..مجرد نفاق أيديولوجي ..ومجرد مخدر .
وتقع الشعوب تحت ضروس قادة تمارس الكذب الإستيراتيجي والنفاق الأيديولوجي ..وتستقر في الممارسة حتى تظن أنها استأسدت ..وتفاجؤها الشعوب بخلع كل ضروسها وتفكيك عظامها ....ودون عظة .

ومازال القادة في الولايات المتحدة تكذب وتواري سوءاتها بافتعال الحروب أو بالذهاب إليها في كل جنبات العالم حتى يقول." جلوبال ريسيريتش" أن أمريكا قتلت وساهمت في قتل أكثر من ٣٥ مليون منذ الحرب العالمية الثانية ..بواقع أكثر من ١٣٠٠ قتيل يومياً..تقدمهم على مذبح السلام والحريات والديموقراطية وتأخذ في ركابها القادة ليكذبون وينافقون ويقدمون شعوبهم قطعاناً على المذبح الأمريكي.ثمناً للإحتفاظ بكراسي الحكم ..لهذا يكذب القادة


إرسل لصديق