الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

القراءة .. يا أمة اقرأ

2019-02-09 20:29:32
د. إبراهيم عبدالرحمن الشرقاوي

إن أول كلمة خاطب بها الله نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبريل عليه السلام هي كلمة " اقرأ " عندما تمت مخاطبته بأول ما نزل من القرآن الكريم " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) " هذه الآيات بإجماع العلماء إنها أول ما نزل من القرآن الكريم ، ونحن لسنا هنا بصدد بيان سبب نزول الآيات أو تفسيرها ، إنما علينا أن نلاحظ كيف ابتدأت بكلمة اقرأ التي تكررت مرتين في الآيات . هذه الآيات تدعو للقراءة وتكرارها للتأكيد على أهمية القراءة ، وتتحدث عن العلم والتعلم . فالقراءة أفضل وسيلة من وسائل التعلم الإنساني ، فهي تنوع وتزيد من المعارف والثقافة العامة لدى الإنسان ، ومن خلالها نستطيع أن نضع معياراً نميز فيه الإنسان المثقف صاحب المعرفة عن غيره من أفراد المجتمع ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، بل هي من أهم المعايير التي يمكن أن يقاس بها مدى تطور أو تخلف المجتمعات . فالمجتمعات الأوروبية في الماضي وخاصة في العصور الوسطى كانت مجتمعات متخلفة ترثع فيها الأمية ولا يعرف للقراء والثقافة فيها مكان ، في حين أن المجتمعات العربية والإسلامية كانت القراءة والثقافة فيها أسلوب حياة ، ولهذا تفوقت وتقدمت على غيرها من المجتمعات الأخرى ، ولكن عندما تخلت مجتمعاتنا العربية عن القراءة تراجعت وتخلفت . فالكتاب خير جليس ، وقد وصَفه الجاحظ فقال : " الكتاب نِعْمَ الذُّخْر والعقدَة، ونِعْمَ الأَنيس ساعَة الوحدة، ونِعْم القَرين، والدَّخيل، والوزير، والنَّزيل " . وقال أبو العباس أحمد بن مسروق : قرأت في كتاب : نِعْمَ المُحَدِّثُ والرَّفيقُ كتابُ تَلْهو به إن خانَك الأَصْحابُ لا مُفْشِيًا للسِّر إنْ أَوْدَعْتَه ويُنالُ منـه حكمـةٌ وصَـوابُ وقول المتنبي الشهير : «أعز مكان في الدنيا سرج سابح... وخير جليس في الزمان كتاب». هكذا كان ينظر العرب للقراءة وللكتاب في أجمل عصور النهضة الثقافية وتسيد الأدب والشعر ، وتفوق المجتمعات العربية وتقدمهم على غيرهم . أما اليوم فيعاني وطننا العربي من قلة القراءة فكل مليون عربي يقرأون 30 كتابا فقط ، وهذا العدد يشمل قراءة كتب الطبخ والسحر والتنجيم ، فكيف سيكون العدد عند الحديث عن قراءة الكتب الجادة القيمة كالنصوص الإبداعية والنقد الأدبي وغيرها ، وهذا يثبت لنا كم هو مزرٍ وضع القراءة في بلداننا العربية . من يذهب للدول الأوروبية يشاهد كيف يحرص الجميع فيها على القراءة كبارا كانوا أو صغارا ، فكل منهم يمسك بيده كتابا أينما يذهب ولا يريد تفويت لحظة واحدة دون أن يستغلها في القراءة ، عدا كونهم يترددون على المكتبات العامة والخاصة بحثاً عن كل ماهو جديد في عالم الكتب ، فإنهم يحملون بأيديهم الكتاب ويقرأونه أينما حلو في الطائرات في الحدائق في حافلات النقل ، بعضهم يقرأ وهو يمشي متجهاً إلى مقصده أسوة بنا ، ولكننا نمسك بالهاتف المحمول بدلاً من الكتاب . فقد أثبتت جميع الدراسات أن القراءة تغير خمسة جوانب من حياة الإنسان ، فمن يقرأون يتمتعون بمهارات إدراكية أعلى ، وأنه يسهل على محبي القراءة معالجة المعلومات بشكل أقدر ومنحهم مساحة أوسع من الإلهام والإبداع ، كما وجدوا أن القراء أقل إجهادا ، وأقل اكتئابا ، ويتمتعون بقدر أكبر من احترام الذات والقدرة على التعامل مع التحديات ، مقارنة بغير القراء ، كما أنهم يميلون إلى تكوين صداقات ، وأنهم أكثر إحساسا بالالتزام تجاه مجتمعاتهم ، وأكثر وعيا بالقضايا الاجتماعية ، كما تعمل القراءة على تقوية الذاكرة والحماية من الزهايمر ، وزيادة متوسط العمر . ومع الأسف الشديد لم تسع المؤسسات التعليمية في بلداننا العربية إلى خلق مجتمع قارئ ليستطيع أن يعبر عن نفسه بتوسيع مداركه العقلية ، وذلك من خلال سياسة تعليمية واستراتيجية معينة ، تبدأ بالنشء وتحبيبهم بالقراءة وتمييزهم لما هو مفيد من المجلات العلمية والكتب وتعويدهم على الاستمرار بالقراءة . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل


إرسل لصديق