الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

قمة تونس وملف الخيبات الكبرى

2019-03-29 15:16:26
محمد فياض
محمد فياض
محمد فياض

في صباح اليوم 29 مارس آزار تتداعى الأنظمة المتحكمة في العواصم العربية إلى اللقاء في تونس .يجتمع الرؤساء والملوك والسلاطين لممارسة تبادل الأحضان دافئة وباردة .ومثلجة أيضاً وعشرات الكاميرات الإعلامية وربما المئات منها تنقل إلى العالم الخارجي ..

وأكرر الخارجي ..خاصة صناع القرار في البيت الأبيض وأوروبا العجوز لقاء القمة .نتفق ربما على أنه ثمة لقاء .وثمة لقاء وقمة .لكن مانختلف فيه هو صياغة إجابة عبقرية عن أسباب اللقاء .وعلى أي طريق أو طريقة يجتمع السادة .
يقيني _وفقا لمعطيات الحال _أن اللقاء السنوي هذا وربما إذا صدرت الأوامر يصير لقاءاً شهرياً لأربعة أيام تماشياً مع حقيقة العلم بعدد أيام حيضة النسوة في بلادنا لا أمل منه..


يحضرني من سراديب الذاكرة لقاء القادة بعد سويعات من تهيئة دخول صدام العراق إلى الكويت ودفعه إليها في مؤتمر جدة الشهير والذي تبادلت فيه وفود بغداد والرياض نوبات العشق العروبي مبارزة بالأطباق على مأدبة اللقاء .وإقدام صدام حسين بعدها على ردة الفعل بدخول الجيش العراقي إلى الكويت .وانتقل القادة الأشاوس حكامنا إلى الحلقة التالية والأهم من السيناريو المكتوب في السي آي إيه ووزعت أدواره البنتاجون .حلقة لقاء القمة العاجلة والإستثنائية في القاهرة ليبصم القادة من جمهور السادة الرؤساء والملوك والسلاطين على قرارات أتتهم من واشنطن لتصدر عن قمتهم العربية تستدعي الولايات المتحدة وأوروبا لإخراج الجيش العراقي فيما عرف أولاً بحرب تحرير الكويت وتالياً باحتلال العراق وتدمير جيشه العربي وخَصمه من رصيد القوة العروبية لصالح تل أبيب .فتم حضور جيوش 27 دولة لتمارس التدمير والتجريف على أرضنا العربية ..كان لقاءً لقمة ..نعم ولم يلتق القادة بعدها إلا لتقرير المزيد من التنازلات الإستيراتيجية للعدو وتكريس لأسباب الفرقة بين عواصم المعمورة ليتم تخريبها بقرارات قمة أيضاً تصدر عن قمة جامعة الدول العربية التي باتت تُفرّق أكثر مما تبحث عن مشتركات للتلاقي .فقدت دورها ومبتغاها بفعل سيطرة دافعي حصص تمويلاتها وتسخيرها كمنبر لتمزيق الأمة وإخراج الكبار من ساحة الفعل ليحل محلهم الصغار العملاء للمشروع الصهيوني ..لم يعد سراً مانقول بل تتفاخر به عواصم وملوك وسلاطين ..نرى قمم مهملة والدعوة والحضور فيها مترهلاً كتلك التي اجتمعت في موريتانيا ..ونرى قمة أخرى يُساق لها بحتمية الحضور لتتميم المخرجات المطلوبة والمأمور بها.


أعلنوا أن قمة تونس ستعني بعدد هائل من الملفات (20 ملفاً) .والشعوب العربية قادرة لازالت على ممارسة قدر من التخيّل ..والسخرية أيضاً .عشرون ملفًّا تناقشها قمة جامعة الدول العربية في تونس في الزمن المتبقي مصادفة من المُستهلَك في الممارسات الجادة والأهم .كالأحضان وفلسفات التقبيل من الوجوه والأكتاف وربما الأفواه ..خصائل من القُبَل تنم عن اختلاف الثقافات ..


وكذلك ممارسة الوقوف والجلوس أمام الكاميرا التي تنقل السادة إلى العالم وشعوب الأرض _ من دون الشعب العربي _المُخاطَب المستهدف من اللقاء ومن القمة.!


فضلا عن أوقات الأحاديث الجانبية عن الأولاد والهوانم ومشروعات الإستثمار بين الأسر والعلاقات الخاصة التي كسبها هذا الفريق مع تل أبيب وواشنطن على حساب القضايا العالقة وتماشياً مع موضة الهرولة للإحتماء وحماية العروش والكروش بالقرار الأمريكي .وقدرة فريق وبراعته في إزاحة الفريق الآخر وإنزاله من أجندة الإهتمام الإستيراتيجي لدي صناع القرار في البيت الأبيض وتسديد لكمة قوية بالذهاب إلى واشنطن عبر تل أبيب .
ولا ننسى الإشارة إلى مأدبات الطعام .


ووقت قراءة الخطابات المنمقة والتي لن تخلو من عبارات الشجب والإدانة التي تُوجّه إلى الولايات المتحدة الأمريكية على مساندتها لإسرائيل بمنحها القدس والجولان ._ عبارات متفق عليها لاتُغضِب السيد ترامب ولا تتماس مع سلوكه_.
وفي اللقاءات المغلقة يرتفع صوت الممول على الجميع وتهديداته إن لزم الأمر وجر العواصم للبحث في مدى جدوى استمرار القطيعة مع تل أبيب ومدى وفوائد ضمها إلى عضوية الجامعة كنظام إقليمي يحتاج إلى خبرات ومساندات تحول بينه وبين إقباره ولإعادة بعثه فتياً وفاعلاً..ومناقشات ستطال المزيد من تمريغ الكرامة العربية والشرف العربي بجدولة نفاذ صفقة القرن .
ولن ينسى القادة تسديد حزمة من الشتائم والتوبيخات المكتومة في اللقاءات المغلقة خارج ميدان الكاميرا إلى بعض القادة وتمسكهم لازالوا بمزاجهم العروبي العفن ..! ..اللهم إلا كاميرا واحدة تصل المجتمعين بالأسياد ..التابع بسيده المتبوع لحجز مقاعد ورُتَب أعلى في درجات الولاء.


وفي النهاية يصدر بيان عن القمة العربية ووصلات من التصفيق تصل إلى مسامع المجتمعين من واشنطن وتل أبيب عند تلاوتهم للبيان المكتوب بمعرفة العدو وبدماء شهداء الكرامة وفي ذات المنصات التي كان يجلس فيها القادة العظام ..جمال عبدالناصر .وحافظ الأسد .وصدام حسين .


سيزف البيان الختامي إلى شعوب الأمة أن إسرائيل لم تعد بالعدو وأن مدرسة بحر البقر ..وقانا ودير ياسين ومئات الآلاف من أطفال العراق وسورية ولبنان ..بل ومايحدث من مجازر في اليمن .باتت كلها محض وهم .وأن الإرتفاع فوق سخافاتها التاريخية فريضة وطنية وقومية .وأننا أيها الشعب العربي العظيم نحن القادة أصحاب السمو والتبريكات الكبرى الرؤساء والملوك والسلاطين _ (يقولون ذلك ) قد أبتدعنا عدوّاً بديلاً من أجلكم أنتم للإستمرار في مسيرة نضالكم التاريخية ولقد وقع الإختيار على إيران العدو القادم وسنخوض ضده بكم أعنف الحروب ونزفُّ إليكم البشرى أن الجيش الإسرائيلي والشعب الصهيوني الشقيق سيدعم حربكم بكل قوة ضد طهران ومحورها المدعوم من موسكو وستبارك واشنطن حربكم المقدسة .
....وربما يتفزلك صعلوك من بينهم ويقول بصوت عالٍ وخارج السيناريو ..: و رفضنا مجرد مناقشة عودة دمشق لعضوية النظام الإقليمي..و النظام الإقليمي جاهز لاستيعاب مستقبل تقوده تل أبيب .."

لا أعتقد أن قمة عربية يحضرها السادة الرؤساء والملوك والآن في تونس لاتناقش وتتخذ قرارا واضحا وبالإجماع بعودة الجامعة إلى سورية _ وليس العكس_ هي قمة في الأصل ..ولا أعتقد أن ثمة إجتماع أو لقاء وعربي وبين قادة أو منظمات أو تجار أو جمعيات أهلية ونقابات أو إتحادات عمالية لاتضع في أولوياتها وجدول أعمالها الجولان السوري والقدس ومزارع شبعا اللبنانية ومجازر الوهابية في اليمن وصلف وجلف الرئيس الأمريكي وقراراته ومراسيمه الشاذة بشأن الأراضي والسيادة والكرامة العربية ..يمثلنا ..وليس عربيا بالمطلق ولايمثلنا ولايعنينا من يجتمعون على جثث شعبنا العربي لمكافأة الصهيونية حماية للعروش إلا بقدر وضعهم في ثلة الأعداء لهذه الأمة .حان وقت مواجهتهم من شعوبهم لمحاسبتهم أم تأجل هذا الوقت لكنه آتٍ لاريب فيه. ونهيب بمن كان مجتمعاً اليوم في قمة تونس ويدرك بدقة محددات الأمن القومي والوطنية النقية وحقوق الشعوب ودرس أبجدية التاريخ ووعى تضاريس الجغرافيا .

.وتتلمذ في قاعات الدرس على أن الكلمة العليا للشعوب .عليه أن يثبُت عند الثوابت التاريخية والوطنية واستحقاقاتها القومية وإن وقف معلناً صوتاً واحداً ضد ماتسعى إلى إنتاجه دويلات البترودولار للقضاء على ماتبقى من كرامتنا ونهش جغرافيتنا .فليعلن رئيس واحد أنه ضد المشروع الصهيووهابي والأمريكي لتكريس احتلال أرضنا العربية ..وسيسمع العالم صوته وحده وستسمعه الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج لتردد موقفه وتؤازره ..وليجرّب الخائفون هذه المرة. وليقدّم الزعيم العروبي نفسه إلى الشعب العربي مسلحاً برفضه مناقشة الملفات العشرين دون مناقشة الملف الفارض نفسه على الذهنية الجمعية والضمير الجمعي للشعب العربي .بل وكل شعوب العالم تنتظر ما الذي سيفعله المؤتمرون في تونس وقد وضع لهم ترامب سؤالاً إجبارياً وأدخلهم الإمتحان الذي لايريدونه وفي الوقت الخطأ _ في تقديري_ لعدم جاهزيتهم سوى للتجييش ضد طهران وممارسة المزيد من الخيبات. فلا جامعة دول بات لها فائدة ولا الأنظمة في عواصمنا قادرة على اتخاذ قرار بدعوة سفراء أمريكا للخارجية وتسليمهم خطاب احتجاج يحملونه إلى ترامب ..ولا حتى من المقدرة بدعوة سفرائهم من واشنطن وتل أبيب للتشاور .حكامنا .من خيبة إلى خيبات .من العواصم وقصور الحكم إلى قمة تونس اليوم


إرسل لصديق