الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

الأدب والثقافة

راوية حسين تكتب : كِسرة خبز تروي

2019-04-13 09:28:36
راوية حسين
راوية حسين
راوية حسين

ما أجمل الأجواء ببلدتنا الصغيره وأنا أذكرني طفلة الإثنى عشرعاماً ومرحي بذاك البيت البسيط الذي عشقت فيه تلك الأيام ، أيام رمضان وإعداد أمي للطعام وتجمعنا على مائدتي الإفطار والسحور وما تعلمته من دروس الحياه ، وهذا اليوم الذي عدت فيه من مدرستي وقد اعتصرت معدتي جوعاً وجفت شفتاي عطشاً وكانت حينها دقات الساعه تعلن الثالثة عصراً من يوم الخامس من رمضان وكما اعتدت دخلت البيت مسرعه إلي أمي وهي بالمطبخ تعد لنا ما لذ وطاب ، ولكنها صعقتني اليوم صادمة لقلبي الصغير بإجابتها عندما سألتها ماذا أعددتي لنا اليوم ؟ معلنه إنه الفول ! فتذمرت وأعلنت غضبي بصوت رفيع لاذع ، أنا لا أحب الفول كثيراً وهذا طعام السحورفلم سنفطر به ؟ فهمست أمي بصوتها الرخيم : لنحمد الله على ما رزقنا فغيرنا قد لا يجد الفول ليأكله ، قلت وأنا أري أبي يقترب إلينا : ولكننا نجده ونجد غيره وأنا صائمة ويحق لي أكل ما يطيب لي بالإفطار ، وإذا بأبي يقاطعني بصوته العطوف : صغيرتي لا عليكِ فهلا ذهبتي بصحن الفول هذا إلي بيت بعيد عند نهايه بلدتنا لعلنا نُطعم به أحد الفقراء لِنفوز بالثواب ؟ وأخذ يصف لي الطريق ثم أشار لي بضرورة عودتي قبل أذان المغرب لمساعدة أمي في إعدادها لما أريد من طعام ، "ما أروعك أبي فدائما تريحني وتجبر خاطري " وخرجت بصحن الفول متوجهة إلى ذاك البيت الذي وصف لي أبي ولا أدري لما أرسلني أبي بعيداً هكذا فالطريق طويلٌ وشاق . ،

وها قد وصلت أخيراً وأخذت أقرع الباب الذي لم يحتمل قرع يدي الصغيره وإذا به يفتح لي وصوت عذب يدعوني من خلفه بالدخول .

واستوقفتني بعض من لحظات التأمل .

وما لفت انتباهي لتلك المرأة العجوز أنها كفيفة ، يغمر ثغرها الابتسام وبرغم قوة تكسو وجهها إلا أنه هش وبش بحضوري وكأنها تري ما بين يدي لها ولكني بخجل وجدتني أخاطب نفسي (ما بين يدي !..هاه ! لكنه صحن فول !) ومالي أنا ؟ سأسلم عطيه أبي وأرحل ، فخاطبتها قائله بعد السلام المرسل لك من أبي تفضلي هذا الطعام لتـ....ولكن هل أنت صائمه ؟ قالت : الحمد لله ، قلت : هل لديك خبزا ؟ قالت : نعم ها هو فهل تبلليه بالماء الذي بالزجاجه ياابنتي ؟ فلم تعد لي أسنان لمضغه ولا تهدري الماء ليتبقى ما أشربه عند الإفطار فليس ببيتي ماء سواه، وتوالت طلباتها لأساعدها بإعداد فطورها حتي اقترب موعد الأذان فاستأذنتها لأرحل حتى أعود للبيت قبل المغرب فقالت: لن يسعفك الوقت فانتظري وتناولي معي الإفطار بهذا الفول اللذيذ ، قلت فول ! لا لا أشكرك سأرحل وخرجت مسرعه بنفس الطريق الطويل المرهق .." أنا متعبه وظمآنه ".

وفجأه ..أذان المغرب يطرب أذني ، ولكني لم أقطع نصف الطريق بعد ! ماذا أفعل ؟ أنا لا أعرف أحداً هنا ، ولا أجد أناس يمرون بالطريق ياربي أنا جائعه وظمآنه والبيت مازال بعيداً ، يبدو أنه لم يعد أمامي إلا العوده إلي بيت العجوز وأفطار الفول ! ..أمري إلى الله ، وعدت إليها بخطوات ثقيله منهكه وقرعت الباب فدعتني بنفس الإبتسامه قائله: بماذا أتيتيني ياابنتي ؟ قلت : بل جئت لأفطر معكِ الفول ، قالت: ولكنه نفذ فوالدك يعلم أني وحيده وأرسل لي ما يكفيني وحدي ، قلت : وحدك ؟! وأين الماء ؟ قالت شربت ماتبقي فأنتِ أهدرتي أغلبه حين بللتي الخبز، قلت بصوت مرتجف : وأين الخبز؟ قالت : لم يتبقى منه سوى كِسره بها بعض الماء فكليها لعلك ترتوي واشكري الله ، فتهلل وجهي .. أخيراً وجدت كسره خبز وجرعه ماء ، هنا أدركت قول أمي وما أراده أبي بطول الطريق وعدت للبيت لأجد أمي وأبي ينتظراني وأمامهما صحن الفول الذي طعمته هذه المره كما العاشق وتعلمت أن صحن الفول نعمة و كسرة من الخبز قد تروي . راويه حسين القاهرة ..


إرسل لصديق