الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

الأدب والثقافة

جرح غائر

2019-04-22 10:38:15
جرح غائر
جرح غائر
هدى حجاجي

ارتفع رنين الهاتف في مكتب إدارة شرطة المرافق وهمس المتحدث بصوت وادع رصين. محلات الكونتيسة لملابس السيدات والهدايا

ــ أهلا عزيز بك.. في ايه؟ ــ

عرفت صوتي؟

ــ وهل يخفى صوت القمر؟

ــ ما هذا الشعر.. هل القمر له صوت؟

ــ نعم له صوت ورائحة حلوة وملابس انيقة ايضا …عندنا هكذا.

ــ اشكرك يا عزيزي.

ــ لا شكر على واجب فقط نحتاجك في خدمة.

ــ تأمر نحن رهن الإشارة يا سيدي.

ــ الرصيف أمامنا مزدحم بالباعة يسيئون لسمعة المحل، وسمعة الشارع ونظافته، يخطفون الزبائن يقللون من قيمة معروضاتنا هل يمكن أن؟

ــ يمكن؟ كيف تقول هذا؟ فورا. فورا ما كادت تمضي دقائق حتى اخترقت شارع قصر النيل من ناحية ميدان طلعت حرب، عربة شرطة مسرعة ثم توقفت فجأة أمام عمارة المهدى وانفجر من داخلها عدد من جنود الشرطة، يقفزون كالجراد على صناديق معروضات الباعة فوق رصيف عمارة الشورابي ومبنى بنك ناصر، وأمام المحلات الأخرى على الرصيف المقابل، يستولون عليها يحملونها وأصحابها الى داخل العربة. في لحظات اختفى الباعة وفور إشارة الضابط الشاب قائد الحملة الذي راعه أن ثمة فتاة بائعة؛ لم يلحظها الجنود تتحرك خلسة بلوح كرتوني عليه معروضاتها من قطع الملابس الحريمي، وأدوات الزينة تنسحب به هاربة في حذر إلى منتصف مدخل العمارة. كانت الفتاة التي أبصرها الضابط الشاب خلال هربها تجمع في عجلة أشياءها مذعورة.. زائغة العينين ترقب في فزع ما يحدث لزملائها الباعة الهاربين بأشيائهم، أو الذين يجعلون بضائعهم معهم إلى عربة البوليس بين أيدي جنود الشرطة. كانت في نحو السابعة والعشرين من عمرها ترتدي جاكت وبنطلون من النيل الأزرق الخفيف نحيلة سمراء متوسطة القامة بطرحة حريرية رمادية حول وجهها المستدير، كانت عيناها بنيتين واسعتين تعبران عن فزع يؤكد غور الجرح أعلى جبينها الذي أنزاح عنه طرف الطرحة المحيطة برأسها وعنقها وهي ترتبك تجمع الاشياء التي تبيعها، فيما ارتسم قلقها مع انطباق شفتيها الغليظتين وارتجاف ذقنها البارزة بطابع حسن عميق النغزة. كانت مذعورة ترقب ضابط الحملة يهبط من السيارة في وثبة الفهد عيناه عليها مركزتان حتى يقطع عرض الشارع.. يقترب منها ينقض عليها ثم تدفع قبضة يده في صدرها إثر دفعة قوية. ممددة وسط ممشى ممر العمارة والضباط تتوالى ركلات قدمه في رأسها وكتفها فيما جسدها يرتجف، يتقلص وهي تحمي رأسها بذراعيها تتأوه، تصرخ ثم تنقلب على جنبها هاربة إلى ركن جدار الحائط حتى تتوقف الركلات قليلا ثم تنتقل إلى صندوق بضاعتها، تقلبه تطيح بالبضاعة التي بداخله متناثرة بين أقدام الجنود الذين أسرعوا يجمعونها مرة أخرى في الصندوق استعدادا لحملها إلى السيارة. كانت الفتاة خلال إغماءتها قد انقلبت على جانبها الآخر ممددة على بلاط الممشى حاجبة وجهها براحتيها، تسيل قطرات من الدماء على جبينها وخدها أثر السحجات التي أصيبت بها، والضابط يصيح منفعلا مشيرا لمن تجمعوا حوله من المارة وعمال المحلات المجاورة كل واحد يذهب إلى حال سبيله.

ثم يلتفت نحو الفتاة خلال إغماءتها يدفعها بقدمه في جانبها ويصرخ تحاولين الهرب يا بنت ال ….. قومي، احملي أشياءك.

ــ حلمك يا حضرة الضابط ــ ابعد أنت.. اذهب الى عملك. ــ سيادتك لو تسمح لحظة هذه ليست بائعة محترفة ــ أسكت أنت …عد الى صالونك الضابط الشاب لا يزال في لحظات غليانه منفعلا يدعو الفتاة للنهوض يميل عليها يشدها من ذارعها لتقف والفتاة لا زالت في إغماءتها، وصندوق بضاعتها بين يدي جنديين واقفين ينتظران الأمر فيما اقترب الحاج مهدى صاحب محلات الجملة للملابس الحريمي بالشارع الخلفي والذي يوزع بضاعته على عدد من باعة الرصيف وهو يصيح من بين أسنانه الذهبية: أنتظر يا حضرة الضابط.

هذه البضاعة بضاعتي أنا صاحبها. ما كاد الحاج مهدى يقترب يمسك بذراع الضابط في تودد حتى ابتسم الضباط يتفرس في ملامح وجهه المتودد. عيناه الزرقاوين الواسعتين وذقنه السوداء الشعر المسترسل متدلية فوق صدر، قميصه الكاروهات الملونة والبنطلون الجينز والحذاء الكاوتشوك الأبيض.. يقترب يزداد اقترابا يقول للضابط: الحكاية بسيطة اسمح لي لحظة من فضلك تعال معي خطوة نقف هنا.

أخذ الحاج مهدى الضابط خطوتين إلى جانب حائط الممر الأخر فيما كان ثلاثة من عماله قد أحاطوا بالجنديين وصندوق البضاعة، حجبوهما عن الضابط والحاج يتحدثون ويتضاحكون حتى استطاع صبي من صبيان المعلم أن يلتقط أكثر من ثلاثة أرباع البضاعة وينسل بها إلى الشارع الخلفي للعمارة ويختفي، لحظتها كان الحاج مهدي مستعينا بنظراته يستدعي مساندة الأسطى سلامة الحلاق مواصلا حديثه مع الضابط.. كما شرحت لك عن وفاة أبيها العامل بالمصانع الحربية، صدقني تكفي البضاعة وهي أمامك في الصندوق وبذلك تكون أوامرك قد تم تنفيذها، لكن الدكتورة أبنتنا هذه فأرجوك ــ اسمع يا حاج دعك من هذا الكلام اللين، والقصة التي حكيتها عن دكتورتك هذه، هي بائعة تخالف النظام والقانون لا شأن لك بها. ــ يا حضرة الضابط.. ماذا كانت تفعل وقد تخرجت في كليتها وحصلت على الماجستير دون أن تجد عملا إلا أن تبيع على الرصيف؟ ألا تساعدها؟ انظر إليها.. تأمل إصابات رأسها، ثم الجيران سيشهدون بأنك أوسعتها ضربا وركلا حتى.. الموضوع يمكن علاجه أما جراحها.. خذ.. انظر. قرب قدمي سهير مال الحاج يلتقط كيس نقودها الجلدي يفتحه ثم يخرج من داخله بطاقتها الشخصية قائلا بارتياح يدلل على صدق حديثه السابق الهامس للضابط. انظر.. تأمل صورتها.. اقرأ البطاقة وستجد أنني.. تفضل بالجلوس أولا استرح. كان الحاج قد أشار إلى مقعد احضره الأسطى سلامة، والضابط يفتح البطاقة يتأمل صورة سهير، يقرأ اسمها (سهير كامل القليوبي) حارة المواردي قسم المنيرة، وإلى جواره المهنة أو الوظيفة..

كلمات طالبة بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة. قال الضابط رافضا الجلوس على المقعد وأصابعه تلتقط من ظهر كيس البطاقة البلاستيكي قصاصة من جريدة يومية مثنية عدة مرات، يفردها ويقرأ سطورا حولها دائرة بالقلم الأحمر بين شريط أخبار الجامعات، تناقش يوم الأربعاء القادم في الساعة الخامسة بمدرج الدكتور رشاد القوصي..

رسالة الدكتوراه التي تتقدم للحصول عليها سهير كامل القليوبي، الرسالة موضوعها حصاد التنمية الاقتصادية بالقروض الأجنبية في مصر خلال الثمانينات.. لجنة المناقشة تتكون من الدكتور إسماعيل منصور مشرف على موضوع الرسالة ومن الدكتور..، والدكتور..، والدكتور..، غريبة، ما يقول الحاج والأسطى سلامة صحيح.

أي اكتشاف مثير هذا يواجهك يا مدحت يا ضابط المرافق والخدمات! هذه الفتاة الملقاة أمامك سوف تصبح.. كيف؟ عاد يتأمل صورة البطاقة كأنما ليتأكد بالمقارنة بينها وبين ملامح وجه سهير ثم يلتفت للحاج يسأله: انت طبعا باعترافك صاحب البضاعة.. إذن ما دامت هذه الفتاة صاحبة البطاقة تسعى لأن تعمل دكتورة في الاقتصاد..

لماذا تقف هنا كبائعة وهذا ممنوع؟ لماذا لم تجعلها تعرض بضاعتها في شارع الموسكي أو العتبة؟ ــ بسيطة اقول لك. ــ ماذا تقصد؟

ــ ماذا تقصد؟ أقصد أن سبب تواجدها هنا وهي على هذا القدر من التعليم، أن ظروفها صعبة قاسية كما حكيت لك، انهت دراستها الجامعية وحصلت على الماجستير دون أن يصلها خطابا بالتعيين، ثم ها هي ستحصل على الدكتوراه ماذا تفعل وهي محتاجة لدخل يكفيها ويكفي أسرتها. ــ أسألك لماذا تقف هنا في هذا الشارع؟ انتظرني هي على قدر من الوسامة والذكاء يحتاجها هذا العمل والأهم من ذلك. نعم.. بضاعتها هذه لا يشتريها إلا اهل الانفتاح إياهم وأنت تعرف نقودهم سهل الحصول عليها وسهل انفاقها.

هي المسائل أذن مبرمجة؟ ــ لا.. لا.. لا مبرمجة ولا شيء، هي مثقفة تسعى لزيادة ثقافتها ولا تجد عملا، وتحتاج نقودا ونحن في شهر ديسمبر شهر المدارس والسياح العرب، وهنا أهم أحد شوارع مشترياتهم، لهذا نقف من هنا تلقط رزقها. ــ وهل أصبح دكاترة الاقتصاد يصطادون الأثرياء!؟ ــ سامحني..

قل السيّاح وأهل الانفتاح لا تذكر اللصوص ولا المرتشين حتى لا يغضب زبائننا الكرام. ــ من فضل يا حاج، ها أنت ذا تساعد دكتورة في الاقتصاد صاحبة حظوة في عطفك وإنسانيتك على سرقة السياح ورجال الانفتاح بالبضائع المستوردة المهربة من جمرك بورسعيد، وقد تكون بضاعة من الدرجة الثالثة أو الثانية او تالفة. المهم، فإذا ما جئت أنا أضبطها وحاولت إستغفالي بالهرب فأمسكتها ضربتها تماوعت كذا مدعية الإغماء، تأتي أنت تساومني ترجوني ثم تهددني؟ ــ يا عزيزي أرجوك تفهمني.. هي لم تهرب منك خوفا على البضاعة ولا خوفا من المحضر كل هذا كنت سأتكفل به، هي فتاة جريئة ولا تخاف. ــ المشكلة لماذا فزعت كل هذا الفزع؟ ــ ما هي المشكلة؟ ــ المشكلة هي فزعها من أن تمسكها، تذهب بها إلى قسم الشرطة والمحضر، ثم انتظارها لتحقيق النيابة وهذا سيعطلها عن حضور مناقشة رسالتها غدا في الجامعة هل فهمتني؟ لقد انفقت من عمرها ومالها في التحضير لهذه الرسالة عامين.

ــ فهمتك فهمتك، وفهمت أيضا نفسي.. آه. شرد ذهن الضابط الشاب يفكر في حديث الحاج مهدى، والفتاة راقدة على الأرض لا تزال في اغمائها، أي اكتشاف مثير هذا يواجهك يا مدحت يا ضابط شرطة المرافق. سرحت به خواطره.. حلقت أفكاره بعيدا عن وجوده مع الحاج مهدي والبطاقة بين أصابعه يتأمل الصورة واسم صاحبتها وعنوان مسكنها واسم كليتها، دوامة من الشرود تذهب به بعيدا.. تتراءى له صور عديدة تتداعى أمامه يرى نفسه وبيده استمارة الرغبات بين زحام الطلبة في حوش الجامعة ليختار الكلية وأرقام مجموعه الكلى 65%.

يتذكر وعيناه تعودان تحلقان فوق رأس سهير التي أخذ الأسطى سامي وعاملان آخران يضمدون لها جراح رأسها ووجهها، يضعون تحت أنفها قطعة من القطن مبللة بالكولونيا، لكنها تزيحها تشير لهم براحة يدها مسبلة جفنيها أن يدعوها مشير ة إلى أن دوار رأسها يؤلمها. اقترب الضابط منها.. يتأملها عن قرب. كان واضحا أنها فعلا متعبة غير قادرة على النهوض، أو حتى مجرد الرد بكلمات على من يحاولون إفاقتها بالحديث معها.

كان هو أيضا يود الحديث معها.. يود لو يسألها في أي عام نالت التوجيهية؟ كم كان مجموعها؟ ما هي ظروفها العائلية.. أهي حقا كما ذكر الحاج (غريب)؟ لقد كانت أمنية حياته أن يحصل على مجموع يمكنه من الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. أن يتخرج فيها.. أن يدرس بكليتها مثل خاله الدكتور شكري.. لكن مجموعه خذله، وسيادة اللواء والده كأنما ارتاح لهذا فألحقه بكلية الشرطة ليكون خير سلف في سلك البوليس.. آه لو أن مجموعه.. لو أن والده.. لو.. لو.. لو، وتوقفت تداعيات الصور عند أسئلته لنفسه، وخاطر أن تفيق الفتاة ويحادثها يكشف أشياء اخرى عنها.. يصالحها ويعتذر لها، كان وهو يلمس ذراع الحاج غريب يدعوه للمساعدة في إحضار مقعد لها تجلس عليه حتى تفيق وتستعيد وعيها قد أقترب منها أكثر.. يتفرس طويلا في ملامح وجهها. وما أحدثته ركلاته بها، والحاج يجلسها على أحد المقاعد وهي لا زالت تائهة بين إغماءتها ومحاولات أفاقتها.

كانت أجفانها قد بدأت تختلج تنظر حولها ثم تغمض عينيها.. شاعرة بلسعات نارية تسري تحت جلد جبينها مكان الجرح القديم كانت تتلمس بأصابعها الباردة بشرة وجهها تتحسس خديها ورائحة اليود التي ضمدت، جراحها الجديدة في أنفها تنحدر الى رئتيها فتفتح عينيها ثم تعود إلى دوامة إغماءتها من جديد، وهي على مقعدها تتلمس قدماها الأرض كانت تشعر بسقف ممر فوقها يدور بمصابيح الإضاءة الجانبية تميل الحوائط بها والوجوه التي حولها يتخايل لها بينها وجه الضابط وهو ينظر إليها قلقا، والوان الأشياء تتداخل في ضباب رمادي وأحمر اللون يعود يحجب تفاصيل ما كان يتخايل أمامها وحولها.. أجفانها كانت تشعر بها تثقل وتثقل فوق عينيها بدوامات ألم نتوه معها مرة أخرى عما حولها ثم تخف الأصوات تتلاشى وتعود لتشعر بقلبها يكاد ينزلق من صدرها وما حولها يغيب عنها، فيما شتائم الضابط وسبابه لها يعود لأذنيها.

ترى وجه أبيها لها مع صوته الأجش وهو في الحمام عار إلا من سرواله، يسألها معنفا.. في ماذا تنظرين.. اخرجي.. اخرجي، وتتداع الخيالات على صفحة ذهنها تتذكر معها أنها كانت قد سألته أكثر من مرة.. كيف عذبوه.. لماذا؟ شهور مضت وسنوات تمضي وهو يرفض أن يصف لها كيف عذبوه لكنه كان يصمت ثم ينهرها صائحا اهتمي بدراستك أولا.

يرفض أن يبوح لها بما حدث أو أسبابه.. حتى رأت جسده كما رأته الأن في خيالها عاريا إلا من سرواله.. وندوب اثار التعذيب سوداء خلف كتفيه.. وبين فخذيه. في شبه يقظتها كانت تحدث نفسها ووجه الضابط بين عينيها يتأملها كانت تحدث نفسها منذ طفولتها وهي تخاف العساكر. في شبه يقظتها كانت تحدث نفسها ووجه الضابط بين عينيها يتأملها، كانت تحدث نفسها منذ طفولتها وهي تخاف العساكر والضابط، تكره حتى مبنى قسم الشرطة القريب من منزلهم. كانت إذا مرت من أمامه تمر مبتعدة عنه كثيرا.. تكره حتى العساكر والضباط.. تكرههم من الشرطة أو البحرية أو المــخابرات. لا تحب التعامل معهم أو الحديث إليهم.. لماذا.. ربما كان ذلك بعد معلوماتها التي حصلت وهي تعد رسالتها للدكتوراه، وربما قبل ذلك منذ ليلة أن جاءوا فجرا يأخذون أباها يفتشون المنزل يبعثرون أوراقها وكتبها، تصرخ فيهم وهم يضربون أباها يجرونه من ذارعه فتنزل وراءه تسأله ماذا تفعل من أجله فيزيحونها في عنف حتى تسقط على الدرج ويصاب جبينها بذلك الجرح الذي لا تفارق عينيها يوما صورته. الصور البعيدة تتداع التي لم تنسها يوما ولم تغفل عنها تتوالى على ذهنها، تثير موجات الحزن والكآبة والغيبوبة معا، والتي بدأت تخرج منها وهي تعود أكثر تنبها تود لو تلمس جرح جبينها الباقي أثره، لكنها لا تقوى على تحريك ذارعها وصوت الضابط يعود ينبهها يستحضرها من شرودها، وأصابع يده تقيض على ذراعها تهزها يناديها – قومي خذي بطاقتك وبضاعتك.. سهير.. دكتورة سهير.. وهي تفيق تصحو لنفسها على صوت الحاج غريب والأسطى سلامة يناديان عليها يدعوانها أن ترد على حضرة الضابط، كانت تسمع اسمها تفتح جفنيها تنظر تحملق في وجه الضابط الذى يمد يده بالبطاقة دون أن تستجيب بعد ذراعها له، أو الرد على ندائه لها بلقب الدكتورة.

كانت نظراتها تلتقي بوجه الضابط ويده ممدودة لها.. لا تعرف كيف تتصرف.. لا تقوى على مغالبة ما تذكرته كيف أقيل عليها عدوا يضربها يشتمها بأبيها بعثرة البضاعة، الم رأسها مكان الجرح القديم يلوح لها وجه أبيها جسده وهو عاري في الحمام. كانت الصور والمعاني تفجر أحاسيس مؤلمة تضغط على ذهنها تجعلها لا تعرف بماذا ترد على الضابط..

ماذا تقول له، تنظر إلى وجه الحاج غريب والأسطى سلامة ثم وجه الضابط دون أن تفتح فمها بكلمة، حتى تنبهت فجأة لنفسها والضابط يعطي البطاقة للحاج غريب ويهز رأسه، يلوى شفتيه مندهشة نظراته، تخالج نفسه مشاعر غامضة تشعره بالقصور، بالضيق بالعجز عن فهم ما يحدث، أو إدراك كيف يتصرف سوى أن يشير للجنديين الواقفين حول صندوق البضاعة شبه الفارغ، يشير إليهما بتركه والإنصراف ثم …ثم …. يندفع إلى سيارة الشرطة يركبها، يشير للسائق بجواره أن يتحرك متمتما لنفسه بكلمات لم يسمعها أحد.


إرسل لصديق