الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

د. محمد لبيب يكتب .. أدوارنا و العمر

2019-05-10 22:58:01
د. محمد لبيب
د. محمد لبيب
د. محمد لبيب سالم

كلما تدبرت وتمعنت في أحداث هذه الدنيا والمفارقات البينة بين الفقراء والأغنياء وبين المرضي والأصحاء وبين التعساء والسعداء وبين الغفراء والأمراء وبين الحرافيش والسلاطين تمكن لدي شعور القناعة بأن الله خلق هذه الدنيا كمسرح كبير للإبتلاء يقوم كل منا فيه بأداء دوره ثم يمضي لحال سبيله سواء كان دور البطولة أو دور ثانوي. وسواء رضينا أم أبينا يقوم كل منا بدوره أيا كان أداه علي أكمل أو أنقص وجه.

وعندما ينسدل الستار علي كل فصل ويرحل من كانوا فيه ويبقي بعضهم لأجل مسمي ، يتأكد لنا أن ما قاموا به ما كان إلا مجرد دور لتكتمل حكاية هذا الدنيا بما فيها من جوانب الخير والشر. ويتأكد أيضا لنا أن حكاية هذه الدنيا مهما كان بها من أحداث صغيرة أو عظيمة ، سعيدة أو حزينة هي مجرد أحداث كان لنا فيه دور. ونكتشف بأنه ليس هناك فرق بين كل من علي خشبة المسرح إلا من خلال دوره فالكل متساوون قبل وبعد إنتهاء الدور وإنتهاء الفصل.

كما أننا نكتشف بأنه لا يهم نوع الدور سواء كان حزينا أو سعيدا فما عو إلا مجرد دور يؤديه الجميع بلا تعنت أو تشدد أو تعمد لإسعاد أو شقاء أي من الأشخاص علي خشبة المسرح. الكل مؤدي ولا هناك أفضلية إلا لمن أدي دوره بإتقان.

ومن هنا أري أن كم الأحزان والشقاء والأمراض التي اختص بها القدر بعض الناس رغما عنهم دون الآخرين ما هي إلا مجرد توزيع للأدوار علي من إختارهم الله لأداء هذه الأدوار. ولو إقتنع كل منا بدوره وأداه كما هو مكتوب في النص ولم يعترض ولم يخرج عن النص خرج من علي خشبة مسرح الحياة راضيا ومرضيا عنه إستعدادا للجزاء الأكبر في جنة الخلد.

وعندما ننظر للدنيا من منظور الآخرة وخاصة من نوافذ الجنة نبتسم بل ونضحك علي كل الإعتراضات التي كنا نُصرح ونجهر بها في الدنيا وعلي كل التعجب علي لماذا هذا وليس هذا. سوف نكتشف أن الدنيا لم تكن لكل منا سوي مجرد دور صغير يؤديه إما ضاحكا أو حزينا تماما كما يؤدي الممثل دور الحزن علي خشبة المسرح وهو في أصله سعيد.

لقد خلقنا الله في البدء سعداء وسوف يعيد خلقنا في النهاية أيضا سعداء بما أعد لنا من أسباب السعادة في الجنة ونعيمها. لا تجزع إذا أُصبت و بُليت ولا تغتر إذا هبطت عليك الدنيا بأسباب الفرح ولا تقنط إذا هبطت عليك الدنيا بأسباب الحزن.

فقط أدي الدور بقناعة وبإتقان لتسعد بيوم تجلس فيه في الجنة لتشاهد نفسك وأنت تؤدي دورك الذي أُسند إليك في الدنيا فتبتسم وتلوح لتاريخ قد مضي. كم أشتاق لهذا اليوم الذي أجلس فيه بدون أن أحمل بصدري هما أو في عقلي وسواسا أو في قلبي قلقا ، أجلس نقيا من كل ذنب ومن كل هم ، أجلس لأبدأ حياة أخري هي الحياة الحق ، حياة ليس فيها أدوار بل هي الحياة الأبدية. لا أدري هل سوف يعاد إعادة تأهيل وتهيئة العقل في الجنة ليستوعب المستجدات هناك أم سوف يكون مجرد تنظيف العقل وإعادة تأهيله ليدرك عالمه الجديد. ولا أدري هل سيتم محو الذاكرة القديمة لأحداث الدنيا وما كان فيها من شر وحزن ونميمة أم سوف يحتفظ بها عقل الآخرة كما كان في عقل الدنيا ليتلذذ عقل الآخرة بما أفاض الله عليه مما لا عين رأت ولا خطر علي قلب بشر. لا تشغلني هذه القضية كثيرا ولكن ما يشغلني هو أن أؤدي دوري في الدنيا علي أكمل وجه حتي أجد لنفسي هناك مقعد صدق عند قدير مقتدر بعيدا عن أدوار الدنيا لأنعم بالآخرة.

ولكن كل ما أتمناه في الحياة الآخرة أن يحتفظ عقلي هناك بأعز الناس التي كانت معي في الدنيا لأسعد بصحبتها ، وأجمل الأماكن التي وطأتها قدماي لأشم عبير ثراها وخاصة مسقط رأسي في قريتي وموطن عمري مصر.

مجرد تأملات بين الدنيا والآخرة.


إرسل لصديق