الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

د. محمد لبيب يكتب .. الأنبياء بين أحزان الأرض وأفراح السماء

2019-05-12 15:48:13
د. محمد لبيب
د. محمد لبيب
د. محمد لبيب سالم

وما من نفس إلا وتأتي عليها أيام تتكاثر فيها الهموم فتحزن وقد يبلغ الحزن أشده فتصاب بالجزع والوحدة والإكتئاب والإبتعاد عن الناس وقد ينتهي ذلك بفقدان الشهية للحياة.

وقد تكون هذه الهموم بسبب ضياع مال أو منصب أو عزيز. ولأن النفس في مشاعرها شفافة كنتف ريش طير ، فلا يقويها إلا الإيمان بالقضاء والقدر والثقة في حكمة الله في خلقه كما يعلمنا القرآن والسيرة في قصص الأولين والآخرين لنعتبر منهم ونتعلم. فعندما يصاب الإنسان بحزن أو بضيق أو بهم فعليه أن يتذكر الأنبياء نفسهم والرسل ممن تكاثرت عليهم الهموم والأحزان ولكنها دائما ما كانت تنتهي بمعجزة ومكافئة من الله يتبدل فيها الحزن إلي الفرح والضيق إلي الفرج .

ولنا في رسول الله خاصة أسوة في ذلك. فقد تعرض للإيذاء النفسي والبدني كثيرا من أهل قريش ومن أهل الطائف. ويكفي نفيه هو وأهله خارج مكة لمدة ثلاثة سنوات عجاف وما ألم به من حزن شديد من فراق أحبابه زوجته السيدة خديجة وعمه أبو طالب بعد انتهاء النفي بقليل ثم ما حدث له في الطائف من هجوم أهلها عليه بالرغم من قصده اياهم لكي يآزروه في دعوته والحد من بطش قريش . وبالرغم من الحزن والهم الشديد الذي شعر به النبي بعد انقلاب أهل الطائف عليه الا أنه صلي الله عليه وسلم لم يدعو عليهم بل دعا لهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يدعوا لله الواحد الأحد .

ووسط هذا الحزن والهم خوفا علي دين الله عاد الرسول إلي مكة بعد ان أغلقت الأبواب كلها في وجهه ولكن الله هيأ له في النهاية قوم ينصرونه قبل أن يدخل مكة ثم انتهي الأمر بمعجزة الإسراء والمعراج ليخفف الله عنه العناء الذي تعرض له من أهلهه ومن غير أهلهه .

وقد تكررت دائرة الهم والحزن والضيق علي سيدنا محمد مع عناد قومه قريش ونفاق بعضهم في المدينة حتي وصل الأمر أحيانا إلي اتهامه صلي الله عليه وسلم في عرض زوجته وأحب الناس إلي قلبه السيدة عائشة ليسبب له هم كبير ولكن في كل مرة كان الهم يتحول إلي فرج وخير .

ولنا في سيدنا موسي في تحمل الهم والحزن والضيق أسوة فقد هاجر من مصر قبل النبوة بالرغم أنه كان يعيش في قصر فرعون وهو خائف ومهموم بعد أن قتل قبطي من آل فرعون وهو يدافع عن آخر من بنوا اسرائيل مما اضطره أن يفر من مصر خوفا من قبض جنود فرعون عليه بعد أن عرف فرعون بأمره .

ومع شعوره بالظلم والخوف عبر صحراء سيناء ماشيا علي قدميه حتي وصل إلي مدين ليعيش هناك بعيدا عن اهلهه وعشيرته لمدة 10 سنوات.

وهناك أكرمه الله وتزوج احدي ابنتي سيدنا شعيب وأنجب وكون عائلة جديدة وعشيرة وفوق كل ذلك تجلي له الله وتحدث إليه عند الشجرة المقدسة التي تشكلت له علي هيئة نار ليبدأ مرحلة جديدة في حياته وهي مرحلة النبوة. وقد تعرض للهم والحزن مرة أخري عندما عاد الي مصر وتعرضه لبطش فرعون حتي فرّ هو وأهله هاربين من جبروته ليلا.

ثم انتهي هذا الحزن بمعجزة غرق فرعون وجنوده.

وقد تكررت دائرة الهم والحزن والضيق علي سيدنا موسي مع عناد قومه من حين لآخر حتي وصل الأمر أحيانا إلي عبادتهم العجل وعدم طاعته ولكن كان الهم يتحول كل مرة إلي فرج وخير . ولنا في سيدنا داود المثل الأكبر في تحمل المرض الشديد الذي أُبتلي به ونخر في جسده وأقعده الفراش بعد أن فشلت جميع العلاجات فصبر ولم يدعوا الله للشفاء بل كان لسان حاله الحمد والشكر علي الضراء التي أصابته من مرض كما شكره علي السراء التي أكرمه الله بها من قبل. وكان أقصي من آلام مرض سيدنا أيوب ما تعرضت له زوجته الكريمة من إيذاء نفسي شديد جراء خدمتها في المنازل حتي وصل الأمر إلي قص شعرها مقابل المال.

وهنا دعي ربه أن يشفيه بعد أن وجد نفسه غير قادر علي مساعدة أحب الناس إليه وهي زوجته التي وقفت بجانبه في إخلاص وحب .

وشاء الله أن ينتهي الأمر بمعجزة في شفاء سيدنا داود تماما عندما أمره الله أن يركض برجله ويغتسل بالماء الشافي بإذن الله.

وهنا تحول المرض إلي صحة وقلقه علي زوجته الي فرح وسعادة هائلة . ولنا في سيدنا يونس المثل الأعلي في شدة الهم والحزن والوحدة عندما قام راكبي السفينة بإلقاءه في البحر الهائج فالتقمه الحوت في بطنه فظن أنها نهايته فلم يسمع من قبل أن أحدا خرج من بطن الحوت العظيم.

ولكن وسط هذه الظلمة في بطن الحوت ووسط هذا الحزن والخوف الكبير دعا سيدنا يونس ربه واستغفره فكانت كلمة الله أن يلفظه الحوت علي الشاطئ ففعل ونجا سيدنا يونس بأعجوبة من الخوف والوحدة القاتلة والهم والحزن وأكرمه بشجرة اليقطين التي عالجت جسده من آثار بقاءه في بطن الحوت فأصبح سليما معافي نفسيا وجسديا واكثر قربا من الله .

ولنا في سيدنا يعقوب المثل في فقدان أحب الأولاد إلي قلبه وهو سيدنا يوسف وهو صبي صغير حينما إحتال أبناءه عليه ليأخذوا يوسف معهم للمرعي بعيدا عنه ليقتلوه لغيرتهم الشديدة منه لقربه من أبيهم وحب أبيهم له وتعلقه به.

وبالرغم أن أخوات يوسف يعلمون أنهم أبناء نبي إلا أنهم خططوا أن يقتلوا أخاهم الصغير لولا عناية الله التي تدخلت ثلاث مرات.

ففي المرة الأولي اقترح أحد أخوة يوسف ألا يقتلوه وأن يكتفوا بإلقاءه في بئر.

وكانت المرة الثانية عندما رآه أحد المارة ليخرجه من البئر ويبيعه لأحد تجار مصر الذين مروا بمنطقة البئر.

والمرة الثالثة عندما كتب الله ليوسف أن يعمل في بيت المال عند ملك مصر وهو أحد الفراعنة آنذاك بعد أن هيأ الله له الأسباب من تفسير حلم الملك .

وبعد أن علم سيدنا يعقوب من أبناؤه بموت يوسف بعد أن أكله الذئب وهو غير مصدق ، وبالرغم أن قلبه كان يحدثه أن يوسف مازال علي قيد الحياة , بكي سيدنا يعقوب كثيرا علي فراق ابنه حتي أصابه العمي. وهنا كان المصاب كبير في فقد الأحبة إلا أن الله سبحانه رد يوسف لأبيه ردا جميلا فاستعاد بصره المنهك من البكاء وأرتاح قلبه بعد أن ضم في النهاية ابنه يوسف لصدره فكانت فرحة غامرة لأب عاش مكلوما سنوات عجاف علي فراق ابنه وابن حرم من صدر وحنان رعاية أب مكلوم.

ولنا في سيدنا يوسف نفسه المثل في تحمل المحن والصعاب والظلم البين الذي وصل به أن حُكم عليه بالسجن. ففي طفولته فقد أبوه وأخوته غصبا مع سبق الإصرار والترصد عندما ألقاه إخوته في البئر.

وتعرضه للبيع في سوق الرقيق بثمن بخس وشعوره بالإهانة المطلقة وهو يباع كأي تجارة رغم أنه من نسل شريف وبن نبي من أنبياء الله الصالحين. ثم تعرضه للظلم والإفتراء من زوجة ملك مصر بالتحرش بها رغم إخلاصه الشديد ورغم أن الملك نفسه أجري تحقيقا وتلمس فيه ظلم يوسف إلا أنه زج به في السجن فكان الظلم ظلمين بالإضافة إلي بعده عن أهله وعشيرته وإخوته وأبيه.

غربة ووحدة وظلم وسجن لا يعرف نهايته.

ولكن بسبب دعاءه لله وبسبب إخلاصه وعلمه نجاه الله من السجن وأخرجه معززا مكرما ليكون في معية الملك ويعين وزيرا علي خزائن مصر ليكون نبيا ووزيرا حتي يمكنه الله من دعوة والده وإخوته ويلتئم الشمل مع الأسرة التي تهاجر إلي مصر وتنقذ من عام الجفاف وتتحول حياة يوسف وأخوته مع أبيهم قصة يجب أن تدرس في التنمية البشرية يساق عليها كيف يتحول الظلم البين من الأهل ومن الغرباء إلي نعمة كبري من الله.

ولنا في سيدنا إبراهيم المثل الأصعب علي النفس وهو ذبح الإبن بسكين أبيه وكأنه ذبيحة. وبمن ! بأمر من الله.

موقف صعب وشديد علي الأب وعلي الإبن لا يتحمله بشر ولا يصدقه عقل ولكن سيدنا إبراهيم خاض إمتحان الهم الشديد ونجا منه هو وإبنه إسماعيل بمعجزة من السماء نحتفل بها سنويا في العيد الأضحي تكريما للأب وللإبن اللذان تحملا عبئا نفسيا لا يتحمله بشر.

فبعد أن رأي سيدنا إبراهيم في المنام ثلاث مرات متوالية أن عليه أن يذبح إبنه إسماعيل تأكد له أنه وحي من الله وما عليه إلا أن ينفذه طاعة لحكم الله حتي ولو كان علي فلذة كبده.

والأشد صعوبته في هذا الأمر أن يقوم الأب بشرح الأمر للإبن قبل ذبحه فتتحول القصة إلي ملحمة إنسانية لم تحدث في التاريخ كله بين أب وابن مطيعا لأبيه في ديالوج سجله القرآن الكريم لعظمة ونبل الموقف رغم مافيه من حزن وهم شديد.

ولكنه الحمد لله انتهي بفرحة غامرة .

ولنا في سيدنا نوح المثل والعبرة في عقوق الإبن والزوجة مرة واحدة.

عقوق في الدين الحق الذي كان يدعوا له سيدنا نوح بتكليف من ربه.

سيدنا نوح الذي عاش بين قومه قرابة ألف عام إلا خمسين يدعوهم وهم عنه معرضون.

ومع أن إعراض الناس عن دعوة الأنبياء يحزن النبي مبلغ الدعوة حزنا كبيرا إلا أن إعراض الأبناء والزوجة وإنضمامهم لحزب الشيطان لهو كل الحزن والهم الكبير.

فقد دعا سيدنا نوحا ولده ولكنه أبي. ودعا زوجته ولكنها أبت بل اعترضت ووصل الأمر بها أن تجسست عليه لتنقل أخباره إلي أعداءه يوما بيوم.

ولما إزداد هم سيدنا نوح لقلة عدد من اتبعوه وتعنت الكثيرين وعلي رأسهم إبنه وزوجته دعا ربه فاستجاب له وأوحي إليه أن يبني سفينة كبري حتي يأتي الميعاد لينزل مطرا شديدا يغرق به من كفر وينقذ به من آمن مع سيدنا نوح. وكانت أقسي لحظة علي سيدنا نوح عندما حانت ساعة الصفر وهطل المطر وتحول إلي فيضان ونادي علي إبنه أن يركب معه السفينة لينجوا ويكون من المؤمنين ، ولكن ابنه رفض وغرق مع الكافرين.

فكانت لوعة سيدنا نوح علي كفر إبنه وعلي موته غرقا أمام عينيه قبل أن يرحل بعيدا بمن ركب معه سفينة النجاة للمؤمنين. ولنا في سيدنا لوط ابن أخو سيدنا إبراهيم المثل في عقوق الزوجة عن دعوته وإنضمامها إلي قوم بلاده الظالمين وتجسسيها علي سيدنا لوط لتخبر بها القوم الفاسقين الذين كانوا يأتون الذكور شهوة دون الإناث.

وقد بدأ قومه ممارسة هذا الفعل الفاحش عندما ضاقت عليهم السماء بالماء وأصيبت ارضهم التي كانوا يزرعونها بالجفاف فخافوا من الجوع وقلة الثمار. فلما تشاوروا فيما بينهم أشار عليهم أحدهم أن يمنعوا كل غريب يدخل القرية من أكل نواتج أرضهم.

ولما وجدوا ذلك صعب تحقيقه أشار عليهم آخر أن يفعلوا الفاحشة في كل غريب يخالف ذلك ليرهبوه .

وبالفعل نفذوا ذلك حتي اصبح أمرا مألوفا بينهم لدرجة المجاهرة والإستمتاع.

وحينئذ كلف الله سيدنا لوط بدعوتهم إلي البعد عن هذا الفسق. وبالفعل دعاهم مرارا وتكرارا ولكنهم أبو جميعا بل سخروا من دعوته ومعهم زوجته. وعندما دعا سيدنا لوط ربه أرسل الله أربعة من ملائكته وعلي رأسهم سيدنا جبرائيل ليعاقبوا قوم لوط الفاسقين والذي وصل تعدادهم آنذاك إلي قرابة نصف مليون فرد وعلي رأسهم زوجة سيدنا لوط.

ولم يعلم سيدنا لوط بهذا الأمر في حينه ولكن عمه سيدنا إبراهيم كان يعلم ذلك بعد أن مر عليه وفد الملائكة قبل أن يتجه إلي سدوم مدينة قوم لوط.

وعندما اتجه وفد الملائكة إلي دار سيدنا لوط كانوا في هيئة أربعة من الذكور في عمر الشباب وفي أجمل هيئة لكي يفتنوا قوم لوط.

فلما رآهم سيدنا لوط علي بابه شعر بحزن وهم وضيق خوفا أن يعتدي عليهم قومه إن رؤوهم في الصباح.

وبالفعل غررت به زوجته ونقلت الخبر إلي قومه بوجود شباب عليهم جمال لم تري مثله من قبل.

وبالفعل جري العديد من قومه وهجموا عليه في داره طالبين ممارسة الفحشاء مع ضيوفه بإصرار ومجاهرة وتعنت.

وعبثا حاول سيدنا لوط أن يثنيهم عن عملهم السيئ ذلك ولكنهم رفضوا حتي بعد أن عرض عليهم الزواج من بناته. وهو في وسط هذا الحزن

والهم والضيق بين زوجة فاسقة وكافرة وبين شذوذ قومه الفاسقين وتعنتهم وبين حرجه أمام ضيوفه ، فوجئ بفرج الله الكبير عندنا أسر له الشباب بقصتيهم وأخبروه بأنهم ملائكة مرسلون من ربه لمعاقبة قومه الفاسقين فاطمأن قلبه وهدأ وسكن.

وبالفعل لم تنقضي الليلة حتي قضي الملائكة علي هؤلاء الفجار الفاسقين وانكشف الهم وتخلص سيدنا لوط بفضل الله من الفاسقين .

هذه أمثلة عن الحزن والهم والضيق الذي تعرض لها كثير من الأنبياء والرسل وتحملوها بفضل الله وانتهت بنعم ومعجزات من الله سبحانه تخفف عنهم الهموم فتنكشف حالة الضيق وتتحول إلي الرخاء سواء علي الأرض أو السماء. وهناك العديد من القصص النبوية الأخري والتي لم نذكرها هنا عن حالات الهم والضيق والحزن والتي حلت بالأنبياء والرسل نتيجة تحملهم الدعوة إلي الله مثل ما حدث من تعنت وكفر من قوم ثمود وهم قوم سيدنا صالح بمنطقة الحجر بالأردن وتآمرهم علي قتل الناقة بالرغم من أنهم هم من طلبوها من سيدنا صالح كآية علي نبوته. ثم تآمروا عليه لقتل سيدنا صالح نفسه فشعر بالحزن والهم الشديد نتيجة لتعنهم وكفرهم.

ولكن الله نجاهم وقتلهم بصيحة من سيدنا جبريل فجعلهم في ديارهم جاثمين. زكذلك حدث مع سيدنا هود وقومه عاد في منطقة حضرموت باليمن والذين أمسك الله عليهم المطر ولكنهم ازدادوا عنادا فأرسل الله عليهم رياحا شديدة لمدة ٧ أيام فتلتهم حتي أصبحوا في بيوتهم كأعجاز النخل الخاوية. ويعٓلمنا هذا القصص القرآني لأحزان الرسل والأنبياء أن الحزن طبيعة ومكتوب علي الإنسان حتي ولو كان نبيا مقربا إلي الله.

بل كلما كان العبد قريبا من الله إبتلاه الله ليس ليؤذيه ولكن ليقويه ويكافئه إذا صبر في الدنيا قبل الآخرة.

اللهم لكل الحمد ولك الشكر في السراء والضراء .


إرسل لصديق