الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

الأدب والثقافة

محمد الصباغ يكتب قصة قصيرة بعنوان : ضرب العاصفة

2019-07-10 23:51:16
ضرب العاصفة
ضرب العاصفة
محمد الصباغ

عندما كنت صغيرا فقد سمعت أن بلدتنا في يوم ما قادم ؛ مهددة بعاصفة ؛ جامحة سوف تصيب البلدة بأذي شديد ؛ وسوف يكون ضحايا وقتلاها كثيرين ؛ وكان تخوفي من العاصغة أنها من المحتمل أن تصيبني بفقد بعض من أحب من الأهل والأصحاب ؛ وظل هذا ملازما لي في طفولتي مؤرقا لكل صفاء أعيشه ؛ فربما في عندما تضرب العاصفة ؛ أن يفقد الأخ بعض من أخوته ؛ ربما يفقد أباه أو أمه ؛ أو كلاهما معا ؛ وكان هذا ما هدد إنسجامي مع الطبيعة في بلدنا التي كانت ساحرة ؛ وكان تحسب العاصفة ؛ وخطرها يجعلنا في حالة قلق دائمة وكذلك يجعلنا ننفق الكثير من الأموال ؛ خشية أن تأتي العاصفة فجأة ونحن غير جاهزين فيكون الضرر أكثر ؛ فكنا ننفق علي حماية منازلنا بأكثر من إنفاقنا علي طعامنا وطعام حيواناتنا .

كان التخوف من ضرب العاصفة شاملا ؛ ولكن كل وقدر إحساسه وكل وقدر إستشعاره المسئولية ؛ وكل وقدر إحساسه بالآخرين ؛ ورغم كوننا صغارا وقتها وفي سذاجة طفولتنا ؛ إلا أننا قد حملنا هم العاصفة حين حدوثها .

كانت السلطات أولا تتولي تحءيرنا مما يمكن أن تفعله العاصفة ببلدتنا ، وما يتوجب علينا الحذر منه ؛ وكنا قبل الدرس في مدرستنا الإبتدائية ؛ سواء في طابور الصباح أو أثناء الدرس ؛ لابد ان نتلقي أشياء تحذيرية عما يجب أن نفعله عندما تأتي العاصفة ؛ فإذا ما فاجأتنا ؛ فلابد أن نكون علي حذر من أسلاك الكهرباء التي امتدت في شوارع البلدة وكذلك لابد أن نكون علي حذر من أبراج الكهرباء ومن كابلات الضغط العالي للكهرباء والتي تمر من بلدتنا للبلدان المجاورة عبر النيل . وقد ثار أيضا حديث عن خطر انهيار السد الذي يحمي بلدتنا من الفيضان المدمر الذي يضرب بلدتنا كل عدة سنوات .

كان الكل يتحدث في كل وقت عن العاصفة وعن الإستعداد للعاصفة وتفادي الضرر من العاصفة .

وقد أصبحت مداخل البيوت مسدودة دون العاصفة بحائط غليظ من الطوب المتوافر والمبني في سماكة مضاعفة لمضاعفة المقاومة ؛ للرياح القاتلة ؛ وحتي يكون الحائط سدا قويا أمام العاثفة وهواؤها ورمالها المعمية والحرائق التي يمكن أن تندلع مع ضربها ، وقد اعتدنا أن نحمي الشبابيك بشبابيك وقد ضيقنا فتحتات ومساحات الزجاج من الشبابيك لحساب الخشب المصمت ؛ حتي لا ينكسر الزجاج من اتساع مساحته ؛ فيكون تكسره ممرا لدخول العاصفة .

وقد مرت طفولتنا تحت التهديد الدائم بحدوث العاصفة ؛ ولكن لم تحدث تلك العاصفة المدمرة التي كنا نتحسبها ؛ وقد نسينا بكبىنا وبمرور الأيام " حياة انتظار العاصفة " ؛ ولكن بعدما هرمنا كثيرا ؛ تجدد الحديث مرة أخري عن العاصفة المدمرة ؛ التي كنا لبعد توقعها ولم تحدث ؛ كنا قد أهملنا إنفاق أموال الحماية التي تكفل تقليل الضرر عند حدوثها ؛ وقد تغير الزمن ولم يعد أحد ؛ لديه الرغبة في اقتطاع أي من أموال انفاقه من أجل حماية من شيء مستبعد حدوثه لأنه قد مر الزمن ولم يحدث .

ورغم الحديث عن توقع حدوثها مجدد ؛ فلم يلتفت أحد بالقدر الكافي من الإهتمام للتحسب من ضرب العاصفة التي لم تحدث في وقتها وقت أن شاع الحديث جدا عن حدوثها ؛ ورويدا ذبل الحديث عنها ؛ حتي عندما عاودوا الحديث عن الإحتمالية الجديدة لحدوثها ؛ فقد كان هذا الحديث فاترا ؛ مقابل تعاظم خطرها وكبرها بمرور الزمن ؛ وكبرها نتيجة عدم حدوثها . وقد فاجأتنا وأتت ونحن في أشد حالات التراخي لتحسب حدوثها ؛ وفي الوقت التي كانت فيه العاصفة وخطرها ؛ آخر شواغلنا : لم تكن نبوءتها ظاهرة ولم يكن لها مقدمات ، ولكنها عندما هبت نذورها فجأة ؛ لم يكن متاحا كثيرا من الوقت ؛ غير أن نحتمي منها ؛ كل وقدرته وكل وطاقته .

وكان علي ان أتصرف قدر طاقتى في مواجهة العاصفة : أوسعت صدري لأحبتي حتي أستوعبهم جميعا ولا يبقي واحدا منهم خارجا مهددا بالخطر ولما فعلت ذلك ؛ لم يبق لي شيء لأفعله أكثر مما فعلت فدخلت في سبات من الأحلام والأماني بأن تمضي الحياة بلا فواجع وبلا عذابات تكون ملازمة للإستمرار في الحياة ؛ وعندما جاءت العاصفة وحميت ؛ دخلت داخل نفسي واحتميت بروحي حتي تهدأ العاصفة .

كان صوتها وحده يدوي ويدمي ؛ ويترك أثرا من الدم ومن الدمار في الطرق وفي كل من سمع بصوت حفيف العاصفة ؛ رغم أنه قد كان مختبئا منها ؛ ولم تكن قد مرت العاصفة ؛ إلا في دورتها الأولي ؛ حيث صارت تدور في دورات متتالية ؛ متخلية عن مرورها المستقيم ولمرة واحدة ؛ ولهذا لم نعرف بعد حجم كارثيتها وصار علينا أن ننتظر حتي نعرف حقيقة ما دمرت ؛ حين تتوقف بتمام دورتها الأخيرة وتغادر سماءنا وأرضنا .

وعندما انقشعت كان الكل صرعي من تعرضوا لها ومن كانوا مكشوفين من الحماية ، ومن اختاروا المواجهة وأعلنوا أنهم قادرون علي مواجهة العاصفة .

وقد تأملت ما حدث فوجدتني لست أنا الذي كنت ، وحتي الذين اختبئوا داخلي ؛ لم أدر عدد الذين انسلوا خارجا بعد أن ظنوا أني أتهاوي بفعل العاصفة ، ولم أدر عدد الصرعي فقد كانت الجثث بداخلي أكثر من الحصر ؛ وقد أصبحت أنا فاقدا تذوق أي طعم ولست راغبا في أي متعة ؛ رغم تحقق النجاة التي كان يراودني الشك في أنها مؤكدة ؛ وحصولي علي قدر أكبر من النجاة ؛ أكثر من الموت الذي حدث في كياني .


إرسل لصديق