الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

نيفين عبيد تكتب : كان مجرد طيف

2019-08-11 23:10:37
نيفين عبيد
نيفين عبيد
نيفين عبيد

لم ترغب أن تعشق أو تحب ، كانت دائما ترى نفسها ، واقفة ممتلئة أمل و كبرياء ، متحمسة تغمرها الثقة أمام البحر ، كانت ترى نفسها تلك المرأة الوحيدة التي لن يذلها حب و شفقة ، لن تستغلها الحياة و ترهقها ، حتى سقطت طريدة و وقعت تحت أنياب الحب و العشق ، أحبته و استسلمت بكل ثقتها و كبريائها لحبه ، أوهمها بحياة الأميرات ، و رسم لها أقصوصة على سجاد حرير ، و أنها ستكون ملكتها ، شيد لها أسوار من العاج ، جعلها تصدق و تقبل على حبه ، بكل مشاعرها و وجدانها ، و بدأت قصة التنازل من قبلها تحدث ، تنازلت عن حلمها الوليد ، عن تلك الأسطورة التي بدأت تخطو أول خطواتها ، في بلاط الجمال الإلهي ، تنازلت عن كونها ستصبح فنانة تشكيلية ، تركت عملها في إحدى صالونات النحت و الجمال ، كما تركت وظيفتها الأساسية في رسم شخصيات الكتب و الروايات ، و بدأت تفرغ حياتها له ، لم تكن تعلم أنها ستصبح منقادة له هكذا ، متنازلة عن كل الأحلام التي حاربت من أجلها ، تاركة مشوار طويل من الجهد و العمل المتلاحق و المتواصل لتحصل على وظيفتها و تصبح جزء من فريق نحت كما حلمت دائما ، كرست له كل وقتها و أمانيها ، وهبته فنها و قلبها و عقلها ، بدأ ينسج خيوطه حولها في شبكة عنكبوتية معقدة ، حتى استسلمت له بكامل إرادتها ، مقدمة له عقلها و قلبها و جسدها تحت شرعية ورقة زائفة ، موصومة بشرعية الزواج ، بدأت تتشابك مع خيوط يديه ، و يحشوها بأفكاره العقيمة ، و يفرغ عقلها من منابر العلم و الفن ، ليستبدله بأوهام صنعه هو بنفسه ، و أسماها عادات و تقاليد موروثة ، على المرأة أن تتقلد بها ، و تجعلها زينتها المنشودة ، استجابت له دون وعي و عقل ، فهو سلبها عقلها و من قبله قلبها ، فكيف تفكر في حياتها ، و بدأت رحلة الخطوبة بينهما و الرباط يقترب من رقبتها ، و تسير طبقا وأحلامه ، و كان يقيد حركاتها تحت مسمى الخوف و الحب لها ، و كانت تفرح و تسعد بذلك ، رغم مخالفته لمبادئ اكسبتها لنفسها ، و تدرج في تقييدها و تأييد حريتها ، و بدأت حياتهما تتسطر في كتاب مقيد بالحديد ، و الدستور يكتب و القوانين تأخذ مكانها ، ثم بدأت يديه تقترب منها ، و يخدش كبريائها بضربها ، مبررا فعلته بتعليمها و توجيهها ، صدقت و آمنت به ، و لم ترجعه أو تبعد نفسها ، فقد أهملت عقلها كاملا و تركته غائبا ، سجينا معتقلا لأكذوبة أسماها الحب ، كان تهديده لها دائما بتركها منفرة منفردة في المجتمع يثنيها عليه شاكرة لقربه ، حتى زفت إليه و أسلمته نفسها بشرعية ورقة زائفة ، خاضعة ذليلة وأحلامه ، تاركة وراءها كل أمانيها ، بدأت تنكسر اكثر فأكثر و تقيد برباط الذل ويشتد حول رقبتها أكثر ، كان هو الآمر الناهي و هي تلك الجارية الذليلة ، تشربت لونه و حياته و اندمجت داخلها ، و صارت جزء غير ظاهرا ، و اختفت معالمها كاملة ، و بدأ يسوقها و يحركها كما يشاء ، فهي مسلوبة الحرية و العقل و الإرادة ، خضعت له كاملة ، تفعل ما يريد و يرغب دون مراجعة منها له ، تعتذر و تتذلل له على أخطاء افتعلها هو حتى يرضى عنها و يشعر بقوته و سيطرته ، حتى بدأ لها النور ينكشف من جديد ، فقد كانت ذاهبة مع طفلها لأحد معارض الفنون ، و هناك تقابلت مع ذلك الكهل العجوز ، و رأت لوحاته و فنونه في النحت ، و تجسيد شخصيات الروايات بالريشة على الورق ، اقتربت منه و أبدت إعجابها بأعماله الفنية ، و بدأت تتذكر حياتها السابقة كاملة و تعاد أمامها كأنها شريط فيلم ، رأت تلك الفنانة التي وأدها ما ادعي بالحب و الزواج ، و أخذت تحدثه عن فنها و كيف اشتاقت له ، بعدما وصلت لمراحل متقدمة تركته من أجل الزواج و الحب ، اقترب منها و أوهمها إنه سيساعدها في العودة لفنها ، و سيسكب عليها الماضي من جديد لتتألق ، أقنعها بأبوة حبه لها ، و رسم لها خارطة الحرية ، و التحرر من سجن زوجها و حبها ، و كسر معها تلك القيود التي اوهمت نفسها بها باسم الحب ، و خرجت للحرية من جديد وليدة على يديه ، فهو العجوز الكهل الأب الذي حرمت منه ، عاد من جديد ليأخذها إليه باسم الحب الأبوي ، و لكن الحكاية لم تكتمل غير عند تقربهما ، بدأت همسات حبه تحيطها ، و تتراقص حولها ، فهي طعم جديد للحياة لم تتذوقه ، أحبته و أغرمت بها ، تركته يقترب اكثر ، جعلته ينسج حولها من جديد خيوط الحب ، و استسلمت لها ، بدأ يطلب باسم جنون الحب ، و كانت تلبي مطالبه دائما ، دون وعي منها ، ثم أخذت المطالب تزداد ، فهو شره في الحب ، و شهوته دائما بحاجة أن تكتفي ، فكانت تمنح و تعطي ، و قد بلغت المطالب حد السماء ، لم تتوانى عن تنفيذها ، و لكن قيوده أخذت تضيق اكثر و تشتد حول رقبتها ، فكادت تختنق منها ، و تنحر عنقها ، و تنحصر في دائرته ، فأرادت بعض الهواء لتستنشقه ، أرادت أن ترى النور من جديد ، فقد سلب منها ما اقنعها بترك حياتها البائسة الأولى من أجله ، لم تعد حرة كما اوهما ، فقد بدأ فمها يبتعد عنها مرة أخرى ، كرهت استسلامها ، فهو طيف آخر من زوجها ، قصة تعاود نسج خيوطها حولها ، هما وجهان لبعضهما ، خرجت لتعلم نفسها ، أن حقيقة الرجال السيطرة ، حقيقة كل الرجال السيطرة على المرأة و إخضاعها ، تقييد المرأة و سلب حريتها ، و كان عليها أن تتمرد و ترفض حبهما ، و تكسر تلك القيود و تنطلق ، فهناك أحلام تبغى تحقيقها ، عليها أن تتركها تنطلق تحت سماء الحرية دون قيد و أوهام خادعة .

،،،،،،، للحديث بقية لم تنتهي بعد ،،،،،،،،،


إرسل لصديق