الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

«نيفين عبيد» تكتب :رفضت البقاء و صارت حرة

2019-08-14 16:47:54
نيفين عبيد
نيفين عبيد
نيفين عبيد

عندما جلس في وجهها أول مرة ، طلب منها ترك عملها بعد الزواج ، و الاعتكاف له ، وافقته دون تردد أو مناقشة ، فقد أرهقتها الحياة ، و أرهقت جسدها و جمالها ، بعد عناء الدراسة و الجامعة ، و دائرة العمل المتواصل ، أرادت تلك الإجازة و سعدت بكلماته ، حتى جيء يوم زفافهما و دخلت بيته عروس في فستانها الأبيض ، تمنت أن تكون الجنة ما قدمت إليها ، خلدت إلي حضنه تختبئ فيه من عناء العالم لعلها تجد الراحة و الأمان ، و كأنها أرادت ذلك السجن أن يأخذها من العالم و مشقته ، تودد لها و كانت الحياة تضحك في وجهها ، سعدت بتلك اللحظات ، و شعرت بنعيم الجنة ، و لكن الأسبوع انتهى ، و انتهت معه لحظات السعادة لتفيق على عالم آخر ، ترى فيه شخص آخر يريدها جارية تلبي طلباته ، لم ترفض لأنها شعرت بأنه الزواج و مسئولياته التي رغبت فيها ، و أنه لن يكون بمثل مشاق العمل التي عانت منها ، صارت جارية له تفيق من الفجر لتلبي حاجاته و تنظف منزله و ترتب حياته و تقدم له سبل الراحة ، حتى حملت في أحشائها منه طفل ليؤنس وحدتها ، فهو دائما في الخارج لا يعود للمنزل غير للثبات و أخذ حقه الشرعي كما كان يدعي ، حقه الشرعي المفروض عليها دون مراعاة حقها ، و كيف يراعي و هي امرأة مجرد امرأة اعتكفت عليه لتشبع غروره ، حتى حضر الطفل العالم و زادت عليها مسئولياتها ، لم تتوانى أو تشتكي و صارت تقدم كل ما لديها لأسعادهما ، و لكنه لم ينظر إليها أبدا ، و لم يستمع لأنين شكواها ، و ظلت تشتكي الجدران ، و تأمل أن يتغير و يمنحها تلك الجنة التي أردتها ، حتى رأته يتزين ذات ليلة فسألته لما تلك الزينة ، فعلمت أنها لحياة أخرى ، فهو يبحث عن زيجة جديدة أسماها امرأة العمل و السياحة و السفر ، و أين هي و قد وهبته كل حياتها و عقلها ، فقد كانت الحبيبة و الزوجة و الخادمة و مربية ابنه ، خدش كبريائها أنها للبيت و الأولاد و عليها أن ترضى و توافق ، كانت تلك الكلمات كسوط جلدها بها و خدش كرامتها ، بدأت تتذكر حياتها السابقة كاملة و كأنها تعاد أمامها ، رأت تلك الفتاة النشيطة المبهجة ، و كيف استسلمت له ، و تركت كل أحلامها ، اشتعلت داخلها ذكريات الماضي ، و دفعتها لسلب حقها ، و جلد العالم بأكمله ، تذكرت أنها حرة مثله ، لها في العالم مثله ، بدأت ترجع لحياتها السابقة ، و عاودت العمل ، و لم تكتفي فلم يشبع حاجاتها ، فهو دائما متغيب ، و في سفر و سياحة مع زوجته الجديدة و نسى أنها انسانة لها حق في الحرية قد سلبه منها ، شعرت أنها مازالت لم تكتفي فهناك شيئا ينقصها ، و لكنها خشيت أن تعترف لنفسها بذلك ، و أن يجرحها المجتمع بعقمه ، ظلت تحبس داخلها ذلك الاحتياج و تلك الرغبة ، حتى أوشكت على وأدها ، و لكن القدر كان أحن عليها من قسوة المجتمع العقيم ، فأرشدها لأشباع رغبتها ، فظهر أمامها يملأه الحب و النشاط و الثقافة ، أردته حرا فكان لها ، أسرعت في التقرب منه ، و منحته ثقتها بالقبول ، و اقترب منها ، و بدأ القدر يرسم لهما طريقا من الحرية ، عاشت فيه و رسمت خارطة حلمهما ، فهو الحبيب و الصاحب و الصديق ، و لكن المجتمع أبى أن يستكملا ما منحهم القدر ، اشتعلت نار الفتنة و ثارت ، و كأن المجتمع أقسم على وأد حريتها ، فصار الخبر و كان لدى زوجها ، الذي رفض أن يمنحها الحرية التي سلبها منها ، و أن يقدم لها الحق الذي تعالى عليها به ، لتصبح العادات و التقاليد ذلك السلاح النووي لمواجهتها ، و كأنه لا يظهر إلا لها ، انهالت عليها العادات بعقمها حتى صارعتها و سرقت منها حياتها ، لتحكم عليها بالعودة لسجنها ، و كادت أن تستسلم لمعتقلها و لكنها تذكرت شعاع الحرية و كيف احتضنها ، و أعادها للحياة من جديد ، فوجدت في الموت تلك الرغبة ، فاستسلمت لها و كان هو الحرية لها ، عندما قذفت بروحها من نافذة السجن لتعود حرة طليقة لربها ،للحديث بقية لم تنتهي بعد


إرسل لصديق