الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

خواطر بين الحرب والدبلوماسية والأدب

2019-08-15 09:28:49
معصوم مرزوق
معصوم مرزوق
معصوم مرزوق

(1)

نظر إلي صورته المنشورة أكثر من مرة ، قرأ المكتوب تحتها : " فارس السيف والقلم " ، كان آنذاك لا يزال يتزيا بالزي العسكري ، يحمل في جوانحه مخاض وطن كان قد خرج لتوه من معركة العبور ، كانت رائحة البارود والدم لا تزال تملأ أنفه ، لقد حارب ببندقيته رقم 1056 ، ولا تزال نفس البندقية في عهدته ، ولكنه أضاف إليها اليوم سلاحاً جديداً ، ربما أشد خطورة وأثراً ، لقد أصبح اليوم يمتلك قلماً …

(2)

رفض المواطن أن يجلس ، رغم أن " القنصل " رجاه أن يفعل ، أعتذر الرجل الطيب بأن : " المقامات محفوظة " ، تكهربت أحاسيس القنصل الشاب ، ومع ذلك اجتهد كي يضبط إنفعالاته ، قال بهدوء : - يا سيدي ، أنا موظف عمومي ، وبالإنجليزية CIVIL SERVANT ، يعني " خدام مدني " ، والموظف العمومي لا يزرع أرضاً خاصة به ويحصل علي دخله من إنتاجها ، أنا أحصل علي مرتبي من الضرائب المفروضة عليك وعلي غيرك ، يعني أنت الذي تعطيني مرتبي .. أنت صاحب العمل وأنا الأجير … إلا أن المواطن حاصره بكلمات مثل : " العفو يا بك .. أستغفر الله .. العين لا تعلو علي الحاجب " ، حتي صرخ فيه القنصل آمراً : - قلت لك أقعد !! جلس الرجل مغلوباً علي أمره ، غارقاً في خجله وأدبه ، بينما بدأ القنصل يروي له حكاية الجندي مصطفي الحادي ..

(3)

كان يشبهك تماماً .. فلاحاً مثلك .. طيب زيادة عن اللزوم ، مسالم بطريقة تغيظ .. حيرني في التدريب ، فشلت معه أكثر من مرة كي يطبق مركز تلسكوب الآر . بي . جي علي هيكل الخشب والخيش الذي يمثل دبابة ، كانت نتائجه في ميادين التدريب علي الرماية مخيبة للآمال ، كنت أعتبره بين جنودي مجرد " عجلة نايمة " … في يوم 23 أكتوبر 73 ، أستشهد الجندي مصطفي الحادي ضمن آخرين من جنودي بعد كمين ناجح نصبناه في طريق تقدم الدبابات الإسرائيلية علي المدق 12 … لقد فعلها مصطفي وخيب ظني فيه ، وطوال أيام الحرب لم يخفق مرة واحدة في وضع مركز التلسكوب علي دبابات العدو ، بل أنه في اليوم الأخير وقبل إستشهاده مباشرة إفتدانا جميعاً حين زحف بالآر. بي . جي كي يدمر الدبابة التي كانت تسد علينا طريق الخلاص ، دمرها .. تلاشي في الإنفجار .. لم نجد ذرة من جسده .. لقد أصبح جزءاً من هواء هذا الوطن الذي نستنشقه .. مجد الوطن وشرفه .. ما أن انتهي القنصل من روايته ، حتي انتفخت أوداج المواطن ، شمخت هامته ، تبخرت فجأة من عقله كوابيس الخوف من العسكري والحكومة ، بدأ يطالب بحقوقه لدي القنصل بصوت أكثر ثقة وجرأة .. إبتسم القنصل سعيداً ، كأنه أستعاد الجندي مصطفي الحادي إلي الحياة ..

(4)

وصفته بعض المقالات أنه : " الأديب المقاتل " ، وظل يحمل هذا اللقب حتي تغير إلي " الأديب الدبلوماسي " ، لكنه في الحالتين كان يكتب بنفس القلم ويستخدم نفس الأبجدية ، رفض نصائح العديدين من الفاهمين الذين أشاروا عليه بالإلتصاق بشلة أو الإقتراب من أسماء بعينها لضمان توهج أسمه وكلماته التي يكتبها ، كان يقول لناصحيه :

- لن أتسول بكلماتي .. لقد عرفت الموت في ميادين القتال ، ودفنت بيدي أغلي الرجال .. أربأ بكلماتي أن تتزلف أو تنافق .. شاء الله أن أخرج من الحرب حياً ، لكنني واعدت رجالي الذين واريتهم الرمال أن أواصل النضال .. الشهرة ليست ميدان نضال .. لقد استشهد مصطفي الحادي دون أن يطلب نيشاناً أو كتابة أسمه بالنيون .. لقد أطلق طلقته ومضي ، وأنا أيضاً سأكتب كلمتي وأمضي …

(5)

علي موائد المفاوضات ، وفي مواقف مختلفة ، كان صلباً شديد المراس .. يتذكر لحظة عجيبة ظهر السادس من أكتوبر عام 1993 .. في مؤتمر عقد بروما .. نفس اللحظة التي توافق ذكري مرور عشرين عاماً علي العبور .. نعم في نفس اللحظة كان قد تمكن من إحراز تعديل في إحدي مواد إتفاقية لإعادة الآثار المسروقة إلي مصر .. لقد تنبه للمصادفة فيما بعد ، وحين مشي بين المسلات المصرية المتناثرة في شوارع روما ، كان يبتسم سعيداً ، فخوراً بأنه لا يزال بنفس الحماس ، رغم أن الذي عبر القناة كان إبن عشرين عاماً ، أما الذي يتفاوض لإعادة التاريخ إلي نصابه أصبح إبن أربعين عاماً .. لقد أستبدل الرصاص بالكلمات ، بالعلم القانوني ، فهو يدرك جيداً أن السلاح ليس بإمكانياته وإنما بالرجل الذي يقف خلف هذا السلاح .. هكذا تعلم في أكتوبر 73 …


إرسل لصديق