الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

نيفين عبيد تكتب: ثورة النساء

2019-08-16 11:41:05
نيفين عبيد

كان الفقر يسيطر على القرية كشبح استعمرها و رفض مغادرتها ، صار يتسلط على أركانها ، و يتخذ منها بيوتا و مستعمرات ، ليفرض منها حكمه ، و كان عليه أن يمدد أذرعه في محيطها كالأخطبوط ، حتى لا يغادرها أو يفيق سكانها ، و كان عليه أن يسلب من كل بيت ما يطعمه السعادة ليكون مكوثه فيها طويلا ، و بدأ يتلون كحرباء ماكرة لعينة ، يدس سمه فيها ، و يسكن العقول و من قبلها القلوب ، و أخذ يسلب من بعض البيوت الرجال ممن يرعونها ، حتى سيطر عليها شبح الفقر و أصبحت الحاجة الوحيدة الملحة لهم الطعام ، و أخذ يسلب الرحمة من القلوب ، فالكل يرى الفقر يمدد أذرعه كأخطبوط لعين أقسم على ألا يغادرها و سقفها مخلوع ، تاركها فريسة لينة للفقر يتغذى عليها ، فقد صارت الدموع و العويل و صراخ النساء و شدة الاحتياج غذاءه المفضل ، بدأ الجميع يخشى الفقر و الحاجة حتى تحجرت قلوبهم و أقتلعت منها الرحمة و الانسانية ، و كان على النساء أن يطعمن أطفالهن و أنفسهن ، فقد بدأ الجوع يأكل اجسادهن ، و يضعفها ، بدأن يتسولن الطعام و لكن دون شفقة فالكل يخشى على طعامه أن يغادر بيته ، طلبن العمل في بيوت بعض من أهل القرية ، و لكنهن قبلن بالرفض ، فالطعام قليل و البيت فيه الكثير من الأبناء و النساء و لا حاجة لخدمة الغريب ، و كانت كلما اشتدت الحاجة و التوسل يفترش الظلام لتتلحف به القرية ، و تغوص في الفقر ، و يأكل طينها ، و تجدب الأرض ، و تحرم ثمارها ، و تشتد القيود على الطعام ، و الكل يخشى شبح الفقر أن يتسلل داره في غفلة منه ، لم تجدن هؤلاء النسوة في طلبهن الطعام ردا و لا إجابة ، حتى تسلل شيطان الفقر عقولهن و زين لهن الفاحشة ، لتصبح مقايضة بالطعام حتى ينقذن أولادهن من الموت و المرض ، و هن مسلوبات الإرادة ، و عملن بالفاحشة و قايضن بها الطعام ، و بدأت الفكرة و العهر يتسلل كل دار حرمت من الرجال و الطعام ، و أصبح الطعام هو الكنز الذي تسلب فيه النساء شرفها و كرامتها ، و انتشرت رائحة العفن في أرجاء القرية ، و كان الظلام يشتد أكثر فأكثر ، و أخذت البيوت تتهاوى ، و صار الطعام يقل في الدور الأخرى ممن يقايضونها بالفاحشة ، و أخذت الفاحشة تنتشر و تتسرب لباقي الدور ، و سلبت بعض الدور طعامها ، و بدأ الجوع يشتد لديهم و الرجال فيها عاجزين عن جلب الطعام ، بعد أن جدبت الأرض و ماتت تربتها و أفتقرت للنبت و فقدت خصوبتها ، فقد هاجرتها الشمس ، بعد أن غطاها شبح الفقر ، حاول بعض الرجال مغادرة القرية لجلب الطعام ، فقد خلت منه بيوتهم ، و لكن الفقر قد جند جنوده من الذئاب الجائعة ، التي حرمت الطعام بعد انعدامه في القرية ، و اختفاء الماشية من الحظائر ، فلم يتبقى هناك للذئاب شيئا تسرقه ، لتتغذى عليه ، و كان الرجال الذين يحاولون مغادرة القرية الطريدة التي تنتظرها الذئاب ، فسقط الكثير منهم تحت أنيابها ، و سكنت دورهم الحزن و الانتظار المحال ، و اشتد بأسرهم الفقر و الجوع ، حتى دخلت الفاحشة و سكنت دورهم ، خشية الجوع و الموت منه ، و أبى بعض الرجال المغادرة فالموت كانت ينتظر تحت أنياب الذئاب على حافة القرية ، و أصبحوا يتقبلون الفاحشة و يرسلون زوجاتهم الدور التي تمتلك الطعام ، فالجوع و الفقر هم الحاكم بينهم ، و جلسوا في بيوتهم ينتظرون الطعام ، و كانت القرية تعج برائحة العفن تحت ظلال الفقر ، الذي سجن القرية داخله ، و كانت كنزه الذي يتغذى عليه ، حتى امتدت الفاحشة للفتيات العذراوات ممن عفا عنهن الزمن أن يمتلكن الشرف و يستمتعن به ، فقد ذهبن للفاحشة طلبا الطعام ، و لكن رائحته كانت تزداد عفنا ، فلم تتقبلن تلك الرائحة ، و اعتكفن عن ممارستها ، و بدأن يطلبن الشرف و ينتظرون الموت ، دون مقاومة للجوع الذي وجد في مقاومتهن ضعفا له ، فقد بدأت المقاومة تتسرب إليه و تضعفه ، فلم تستطع جيوشه من الذئاب أن ترهب الفتيات ، فهم لا يخشونه ، رأى أن يستبدل جيشه في الداخل بالرجال و الشباب فملك بعضهم الطعام ، و جعل أرضهم تنبت ، و زرع في أرواحهم كرها للنساء ممن يمارسن الفاحشة ، و صارت الفتيات مطلبا الرجال و لكنهن تعففن و اعتكفن عن ممارستها ، فالموت كان رحيما لهن و الجوع لم يستطع إذلالهن ، فصرن الطرائد التي يبحث عنها الصياد لسلبها عفتها ، و اخذن من الحقول مهربا لهن ، و لكن الذئاب كانت على أطراف القرية ، و لكنها لم تكن بمفزعة للفتيات فهن يردن الموت ، و يهربن من الفاحشة إليه ، و لكن الفقر يعلم بحيلة الفتيات و هربهن الى الذئاب ، التي امتنعت عن صيدهن ، و صاروا يحرسون القرية حتى لا تخرج الفتيات ، مقابل الطعام الذي قدمه لهم فواحش الرجال ، و صارت القرية تشتعل و تهيج بثورة فالفاحشة تعفنت ، و تسللت الرغبة في الطهارة ، و رغبت الشمس في الشروق ، و صرن الفتيات يجهزن لثورة ، و خرجن لقتال الرجال ، و لم يقدر الفقر ان يواجهن فهو بعيد عن قلوبهن التي أشرقت بنور الشمس ، و بدأت الشمس تحرق اذرعه و تأكله ، و كانت لثورتهن مدى ، فكانت الدور خالية الطعام سندا لهن ، و انتشرت المقاومة ، و بدأت العفة تنتصر ، و كرامتهن تعلو فوق ظلال الفقر ، حتى تسربت الشمس إلى قريتهن ، و أخذت تكنس عنها العفن ، و عادت للأرض حياتها ، و غادرت الذئاب أطرافها خشية الموت ، فكانت ثورة النساء سلبت الفقر جنوده ، و جعلته يغادر قريتهن ، خشية وأده .
،،،،،، للحديث بقية لم تنتهي بعد ،،،،،،،،


إرسل لصديق