الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

«عبد الناصر محمد» يكتب : جماعة الدم الحلقة «6»

2019-08-18 18:31:13
عبد الناصر محمد
عبد الناصر محمد
عبد الناصر محمد

من لا يعرف شيئا عن حريق القاهرة يوم ٢٦ يناير ١٩٥٢ فعليه أن يسترجع ذكرياته عما يسمى بجمعة الغضب يوم ٢٨ يناير ٢٠١١ وسيجد الجريمتين وجهان لعملة واحدة ويكتشف ببساطة أن المجرم واحد.

*البداية
*نحن الآن يا سادة فى مساء يوم ١٨ أكتوبر سنة ١٩٥١ حيث فجر مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء مفاجأة من العيار الثقيل وأعلن وسط تصفيق هيستيرى من نواب البرلمان إلغاء معاهدة ٣٦ مع المملكة البريطانية.
إلغاء المعاهدة جرد المستعمر الإنجليزى من الإمتيازات والإعفاءات التى كانت تتمتع بها القوات البريطانية فى مصر مع منع دخول الرعايا البريطانيين ما لم يكونوا حاصلين على تأشيرات دخول من السلطات القنصلية المصرية.
على الفور قررت قوات الإحتلال إتخاذ خطوات إنتقامية للرد على هذه الخطوة الجريئة من جانب حكومة الوفد والتى إعتبروها إهانة للذات الملكية البريطانية خاصة أن هناك غطاء دولى بعد إستنكار فرنسا وأمريكا القوة الإمبريالية الجديدة وحلف الأطلنطي لقرار إلغاء المعاهدة وإعلان تلك الدول الغاشمة تأييدها التام لأى خطوة تتخذها قوات الإستعمار للرد على هذا القرار.
بدأت خطوات تنفيذ مؤامرة إسقاط حكومة الوفد ووضعت المخابرات الإنجليزية مخطط مشبوة لتخريب القاهرة بعد أن تم الإتفاق مع الملك فاروق الذى سيكون له دور خلال تنفيذ المؤامرة والذى
رحب بالمخطط خاصة وأنه وجدها فرصة هو الآخر للتخلص من حكومة الوفد الكاره لها.
وفى الوقت نفسه عقدت جنرالات الإحتلال إجتماعا سريا مع حسن الهضيبى مرشد عام الجماعة فى ذلك الوقت والذى واصل مسلسل العمالة عقب مقتل حسن البنا فى ١٢ فبراير ١٩٤٩ وتم الإتفاق على إستخدام عناصر التنظيم الخاص الذى كان يرأسه فى ذلك الوقت سيد فايز أحد العناصر المدربة جيدا فى إرتكاب أعمال التخريب وأحد تلاميذ عبدالرحمن السندى الذى كان مغضوبا عليه عقب خروجه من السجن بعد تنفيذ الحكم لمدة عامين فى قضية السيارة الجيب .. وكانت المفاجأة أن الإنجليز ألمحوا للإخوان أنهم قد يضحون بالملك فاروق ومن ثم أعتقد الإخوان أنها فرصة للقفز على الحكم لذلك صدرت أوامر لجميع أعضاء التنظيم السرى والذين تجاوزت أعدادهم نحو ٥ آلاف عنصر بأن يكونوا على أهبة الإستعداد مع تكثيف تدريباتهم القتالية وتدريبهم على عمليات التخريب.
*بداية تنفيذ المؤامرة
بدأ الإنجليز فى إتخاذ خطوات إستباقية عدائية ففى أول ديسمبر ١٩٥١ إرتكب رجال المستعمر الغاشم جريمة فى حق الإنسانية حيث تم هدم كفر " أحمد عبده " بالسويس فى عملية إستعراضية ضخمة إشتركت فيها ٢٥٠ دبابة و٥٠٠ مصفحة بحجة وجود فدائيين بالكفر ولكن كان الهدف إحراج حكومة الوفد وظهورها بمظهر الضعيف أمام الشعب وردت الحكومة بسحب السفير المصرى من بريطانيا وطرد جميع البريطانيين العاملين بالدواوين الحكومية المصرية.
وفى نهاية ديسمبر من العام ذاته نشأت حركة جديدة أطلقت على نفسها إسم " إخوان الحرية " وهى نفسها التنظيم الخاص للإخوان وفى ٤ يناير ١٩٥٢ قامت هذه الحركة بحرق كنيسة بمدينة السويس وحاولوا إلصاق التهمة بالفدائيين لزرع الفتنة الطائفية.
*مجزرة الإسماعيلية
اليوم .. الجمعة _ التاريخ .. ٢٥ يناير ١٩٥٢ _ المكان .. محافظة الإسماعيلية _ الحكاية جريمة إستعمارية سافرة تعد وصمة عار فى جبين الطغاة الإنجليز
البريجادير " أكسهام" قائد القوات البريطانية بمنطقة القناة يستدعى ضابط الإتصال المصرى ويسلمه بدون مبرر إنذارا بأن تسلم قوات البوليس المصرى بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية وتجلو عن المحافظة والثكنات وترحل عن منطقة القناة كلها.
بكرامة وإستبسال قوبل الإنذار الإنجليزى السافر بالرفض وطلب فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية آنذاك من قوات البوليس المصرى بالإسماعيلية المقاومة والصمود حتى آخر جندى وآخر رصاصة.
تحصنت قوات البوليس المصرى وعددهم حوالى ٨٠٠ ضابط وجندى داخل مبنى المحافظة وقبل غروب هذا اليوم حاصر٧ آلاف جندى بريطانى مدججين بالأسلحة الثقيلة ديوان المحافظة وتم قصفها وإستمر رجال مصر الشرفاء فى المقاومة لمدة تتجاوز ساعتين سقط منهم ٥٠ شهيدا وأصيب ٨٠ آخرون حتى نفدت الذخيرة وأسر باقى الرجال البواسل.
فى هذه الأثناء وبناء على الأوامر الإنجليزية إنتشرت العناصر الإخوانية فى شوارع وحوارى القاهرة تذيع خبر المجزرة وتدعو للتظاهر غدا السبت الموافق ٢٦ يناير ١٩٥٢ وتم التركيز على طلبة الجامعات وعمال المصانع على أن يكون التمركز الرئيسى بميدان العتبة بوسط البلد ظهر ذلك اليوم.
وفى الوقت نفسه قامت عناصر التنظيم الخاص بتجهيز زجاجات المولوتوف بعد إستخدام مواد شديدة الاشتعال والتى كانت تستوردها فقط شركة " شل " الإنجليزية _ لاحظ التشابه مع أحداث يناير ٢٠١١ _ وإستعان فريق التخريب الإخوانى بالخريطة التى سبق وأن أعدها السندى للمواقع المستهدفة بالقاهرة عام ١٩٤٨ والتى ضبطت نسخة منها فى حقيبة مصطفى مشهور وتم ضمها لملف قضية السيارة الجيب والتى تعد دليلا قاطعا على تورط العناصر الإخوانية العميلة فى حريق القاهرة.
*النيران تحاصر القاهرة
فى صباح يوم السبت ٢٦ يناير ١٩٥٢ فوجىء جميع ضباط الحربية والبوليس بالقاهرة بدعوة من الملك فاروق لحضور مأدبة بحجة الإحتفال بقدوم ولى العهد أحمد فؤاد ومن ذا الذى يجرؤ على عدم الإستجابة لدعوة الملك فتوجه الجميع إلى قصر عابدين لتلبية الدعوة والغريب أنه لم تتم دعوة حيدر باشا وزير الحربية وفؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية وكان الهدف بالطبع كما هو متفق عليه بين الملك الفاجر ورجال الإستعمار من هذه المأدبة المفاجئة غير المبررة هو إحداث فراغ بالعاصمة حتى يتم تنفيذ المؤامرة بلا أية مضايقات لقراصنة التخريب من الجهات الأمنية.
وفى الوقت نفسه وفى تمام الساعة الحادية عشرة ظهرا تجمع بالفعل عدد كبير من المواطنين خاصة بلوكات النظام التابعين لوزارة الداخلية وطلبة الجامعات وعمال المصانع وإندس بينهم أباطرة تنفيذ المخطط المشبوة من العناصر الإخوانية كما هو متفق عليه فى ميدان العتبة فيما تمركزت عناصر أخرى فى عربات جيب ودراجات بخارية عند بعض المواقع المستهدفة منتظرين إشارة بدء الخراب وهى حين تشتعل المظاهرات وتعم الفوضى وذلك بناء على أوامر سيد فايز زعيم التنظيم الخاص.
إستمرت المظاهرات الغاضبة تندد بمجزرة الإسماعيلية وعلى الفور إتجهت عناصر إخوانية إلى كازينو أوبرا وألقت زجاجات مولوتوف محملة بمواد شديدة الإشتعال فأكلت النيران فى ثوان معدودة محتويات الكازينو بأكمله وبنفس الطريقة إتجهت فرقة أخرى إلى فندق شبرد الذى كان يقع فى ذلك الوقت فى شارع إبراهيم باشا " الجمهورية حاليا" وبنفس أساليب الخسة والوضاعة تم حرقه بالكامل مما تسبب فى إنهياره .
وبنفس الأسلوب المشين إنقض محترفى الحرق على قلب العاصمة بأعصاب باردة إلى الأماكن المحددة سلفا حيث تتقدم مجموعة لإقتحام الأبواب إما بأنفسهم أو بعمل فجوة بمواقد الإستيلين ومجموعة ثانية تقذف فى جوف المبنى المواد الناسفة والحارقة وتندفع خارجه وبعد ثوان معدودة وفى لمح البصر يكون المبنى شعلة من النيران وبعد أقل من دقيقة تنتقل فرق التخريب إلى مبنى آخر وقد إستولت عناصر الإخوان على سيارة جيش كانت تابعة لليوزباشى فؤاد عبدالقادر أحد المدعوين المأدبة الملكية وقاموا بتحميلها بجالونات البنزين والكاروسين وتم إستخدامها فى الحريق وهو ما أعطى إنطباعا للبعض بأن الجيش وراء الحريق.
وهكذا تحولت القاهرة إلى قطعة من جهنم فأتت النيران على نحو ٧٠٠ منشأة فى وسط البلد أبرزها فنادق شبرد وميتروبوليتان وفيكتوريا وبنك باركليز ودور سينما مترو وميامى وريفولى والعديد من الحانات والمكاتب الأجنبية والمتاجر الكبرى صيدناوى وفيردى وشملا وشيكوريل.
والغريب أنه رغم كل هذه الأدلة القاطعة نجد بعض المؤرخين حتى الآن يزعمون أن الجانى فى حريق القاهرة لازال مجهولا .. عجبا لمؤرخون لم يقرأوا التاريخ


إرسل لصديق