الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

«هدى الهرمي »تكتب :كما لو تُشعل قلبي بالنأي

2019-08-19 18:16:35
هدى الهرمي
هدى الهرمي
هدى الهرمي

كظمت غيظي مع شيء من التهكّم، امام هذا الحشد البشري و هو يتكوّم فوق بعضه ليصعد الحافلة و انا انتظر دوري في طابور مهيب يشي بهزة ارضية تحت اقداهم الثقيلة. لكنني تراجعت عدة خطوات على الرصيف و قررت ان اُنهي هذه الخيبة المرير و اعود أدراجي بعد محاولة يائسة جرّاء هذا الازدحام الهائل مما جعلني اجفل و ازيح فكرة الذهاب الى العمل.

لا اعرف ان كنت اخذت القرار الصائب في التسّكع تحت انظار المطر الذي بدأت زخاته تُنعش مخيلتي و تداعب كنزتي الصوفية و انا اشعر بالضجر في صباح ينتظر مدّ يده الى الوقت ليرسم على جبين النهار يومي الهارب من الفراغ. تناولت هاتفي و اعتذرت لادراة الشركة عن عدم قدومي اليوم تحت طائل ظرف خاص. و فكرت ان احتفي بهذا الحدث الاستثنائي رغم فشلي الذريع في مجاراة الحياة و معاناتي اليومية مع وسائل النقل و ضغوطات العمل التي لا تنتهي. دلفت الى أول كافيتريا اعترضتني و كانت تبدو أنيقة و مريحة بعض الشيء و لفت نظري اسمها الجميل "sunrise" اي الشمس الساطعة. و شدّتني زخارف السقف المتلألئة تحت اضواء الأباجورات الخافتة و طريقة توزيع اللوحات بصفة لا تخلو من لمسة فنيّة. اخترت ان اجلس بجانب النافذة حتى استمتع بنقرات المطر على الزجاج. في الاثناء قدم النادل على مهل فطلبت منه شوكولاطة ساخنة مع قطعة مرطبات. لكنني لمحت شابا كان مختبئا في احدى الزوايا كما يبدو و استمر يحدق فيّ. كانت ملامحه حادّة ذو عنق نحيل، له لحية خفيفة و يضع قبعة شتوية. بدى وجهه مألوفا لي بعض الشيء، لكنني تجاهلت نظراته و استندت الى المقعد اتأمل الاجواء بالخارج. فجأة ظهر الشاب أمامي و هو مشدوها، ثم قال: _ صباح الخير ...اظن انني اعرفك من قبل و استدرك قائلا بثقة : _بل متأكد ... انت ميرهان ! واجهته باستغراب قائلة : _ هل سبق ان تعرفنا على بعض ؟ رد بهدوء و هو يتأملني عن كثب : _انا جاسم، كنّا بنفس الجامعة لكنني سبقتك بسنتين فقط...و ايضا عندي صلة قرابة بكريم، صديقك الحميم ايام الدراسة. قلت بهمس و انا شبه مذهولة : _ كريم ...! لقد انقلب معنى الوقت في لحظة شاردة، وجرّدني من وعيي الراهن ليعود بي الى زمن ورديّ كانت لي شمس صغيرة تنفذ الى اعماقي و تربض بها و كنت حالمة و نديّة الروح كفراشة زاهية الألوان. تعرّفت على كريم في اول سنة جامعيّة لي، لم نفترق بعدها قطّ...لكن بعد التخرج امعن القدر في تعقيد امورنا و غيّر مسارنا، لكن ابدا لم يطويه النسيان. و هتفت بجذل : _ كيف هي احواله ! رد بهدوء : _ هاجر الى المانيا بقلب مفطور و استقر بها لسنتين لكن... غطس بعدها في صمته ثم استدرك: _ لقد تعرّض الى حادث سير و رحل عن هذه دنيا ...انا آسف اعرف وقع الخبر عليك...الله يرحمه. انهالت كلماته كسياط يجلد ذاكرتي و يسلخ روحي. كان ذلك شبيها بشعلة أضاءت قلبي لوهلة لكن الى حدّ الاحتراق بالنأي و الفقد . صفعني جزعي المكتوم و لم تمهلني الدموع و هي تنزل و ترطبّ خدي لتصل الى ذقني. انها لحظات ارتطام بالذاكرة لكنها لا تتلعثم انما تطفو كاهتزازات عنيفة تشرع في اجتياحي بكل هذا الألم الذي يحفر في نبضي.

كنت احاول التماسك ، بينما جاسم يحاول مواساتي بحنوّ و يقول : _ هوّني عليك ، انه القدر يأبى الا ان يشتتنا احيانا. وَدّعني جاسم بعد اتصال هاتفي، و اعتذر عن عدم البقاء اكثر ليترك رقمه لي وينصرف مهرولا، مُتيحا لي فرصة الحداد بعد ان نبش ذاكرتي و نفض في داخلي قسوة القدر ليوقظ دمي في ارتعاشة غريبة و طعنة قاتلة توغلت في صدري دفعة واحدة. فكرت في النهوض و مغادرة ذاكرتي، لكن لاول مرة اشعر بكل هذا الفراغ الذي يرشح بمرارة الحزن.

و حين وقفت و استدرت لاخذ حقيبتي شُلّت حركتي تماما...سقط جسدي فوق المقعد كمن يشعر بانفصال اجباري من هذا العالم . و خُيّل اليّ انني المح كريم كأنه شبح الم من وراء النافذة و انا افتح قلبي و اندفع من سكوني لالتصق بالزجاج مُحدّقة في خياله و هو عارم بالشوق و الصفح. كنت اضع يدي على فمي حتى لا اغرق في بكاء هيستيريّ، بينما ثقُل قلبي و انا انكفىء تحت جلدي و استحضر للحظة قُبلته على جبيني و هو يضمنّي بقوة ليرّطب حزني و لوعتي و يقول : _دافئة لا تزالين ...يا فراشة قلبي


إرسل لصديق