الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

« القدر والمبدعون » .. بقلم الكاتب والأديب د. محمد لبيب سالم

2019-11-11 19:51:28
د.محمد لبيب سالم
د.محمد لبيب سالم
د. محمد لبيب سالم

إنه القدر الذي يحرس المبدعون من فقد أسباب أبداعاتهم حتي ولو تأذوا وتألموا بعض الشيئ أثناء السير في طريق الابداع الطويل " كلما قرأت سيرة المبدعين أري القدر أمامهم ليفسح الطريق وينظفه من الأشواك والصخور والتراب حتي يصبح ممهدا تحت أقدامهم ليحققوا رسالتهم التي كتبها لهم في الحياة.

والمبدعون في الناس أنواع ثلاثة.

فعلي أقصي اليمين ، هناك صنف من الناس اجتمعت لهم كل أسباب الإبداع المعنوية والمالية والإجتماعية فمنهم من أبدع ومنهم من تولي. وعلي أقصي اليسار هناك صنف اجتمعت كل المؤشرات البيئية القحطاء المملوءة بالصعوبات والتحديات التي تكفي أيا منها لتثني المبدع عن السير في طريق الإبداع ، فمنهم من أبدع ومنهم من تولي. وما بين هؤلاء وهؤلاء هناك صنف من الناس قد نتنبأ لهم بالتميز والإبداع لإمتلاكهم بعض من أسبابه ، فمنهم من يبدع ومنهم من يتولي.

والحاكم في تحقيق الإبداع بين كل هؤلاء هو القدر الذي يجعل من الأسباب أيا كانت طريقا ممهدا لتحقيق الإبداع حتي مع تلك العقول التي لم نتوقع لها أبدا ولو قسطا قليلا من الإبداع بسبب شراسة التحديات . فلولا القدر ، كيف كان لطه حسين علي سبيل المثال والذي ولد في بيئة ريفية فقيرة وقاسية ثم أراد له القدر أن يصبح كفيفا وهو في سن صغير ، لا يري موضع قدميه، أن يصبح من أشهر المبدعين في تخصصه الذي من أُولي أساسياته القراءة والكتابة بعيون مبصرة.

ورغم العمي والبيئة القاسية وكل التحديات التي واجهها هذا الرجل الكفيف في حياته في مراحل الطفولة والصبا والشباب والتي بالطبع رسمها القدر ، إلا أنه تفوق وتميز وأبدع. وأخذه طريق الإبداع بعد أن تخطي التحديات بأنواعها حتي وصل إلي قمة الهرم الإبداعي مُتوجا عميدا لكلية الآداب جامعة القاهرة ثم عميدا للأدب العربي كله في وقت كان هناك الكثير من وكلاء الأدب العربي الذي كان كلا منهم عميدا بداخله.

إنه القدر الذي جعل من فقده للبصر سببا لبداية طريق الإبداع وبناء الشخصية الأدبية المعاصرة وتسلحها بالصبر والعلم والطموح اللامحدود رغم كل الصعوبات.

ومع الفارق الكبير في التشبيه في طبيعة الشخصية ومقوماتها وزمانا ومكانها وفلسفتها ودورها في الحياة ، فقد نقيس ذلك علي الفاروق عمر. فكيف كان للفاروق عمر بن الخطاب أن يكون ثاني الخلفاء للدولة الإسلامية بعد الخليفة رقيق القلب عظيم العقل سيدنا أبو بكر الصديق.

إنه القدر الذي هيأ السبل للفاروق عمر الذي إجتمعت فيه كل أسباب الشدة والقوة والكبرياء والعظمة والندية في بيئة جاهلية كانت تشده شدا إلي أن يُصبح كأبو جهل أو كأبي لهب. عمر الذي كان يهابه الكبار والصغار من شدة بطشه. عمر الذي لطم أخته علي خديها وصفعها صفعة أسالت دمائها لمجرد أن علم أنها تبعت دين سيدنا محمد.

فقد كان المنتظر أن ينتهي مصير عمر كالمصير الأسود الذي انتهي به أبو جهل وأبي لهب. ولكنه القدر الذي جعل من لطمته لأخته بداية لطريق الإبداع وبناء الشخصية الإسلامية التي تتميز بالقوة والإقدام والشجاعة والحق والعدل في الرعية. وعلي النقيض من ذلك يأتي شاعرنا الكبير أحمد شوقي والذي ولد في بيئة مرفهة إجتمعت له فيها كل أسباب الرفاهية لكي يتولي عن الإبداع ويموج في رفاهية عيش القصور والأمراء. إلا أنه تحدي الرفاهية واستفاد منها أيما إستفادة حتي كتب شعرا جعل من عموم الشعراء أن يتوجوه أميرا للشعراء العرب قاطبة وقت كان الزمان آنذاك يعج بفطاحل الشعراء والأدباء كالعقاد ومصطفي صادق الرافعي وحافظ ابراهيم وغيرهم. إنه القدر الذي رسم الطريق أمامه ثم وضع العراقيل في أوقات بعينها ثم أزالها أيضا في أوقات محددة حتي تتخمر أسباب الإبداع وتتمكن وتنبت بذوره وتتفرع وتثمر عن شجرة هائلة من الإبداع الشعري تؤتي ثمارها كل حين. إنه القدر الذي جعل من غناه وقربه من اصحاب الجاه بداية لطريق الإبداع وبناء الشخصية الشعرية الوجدانية التي تؤثر في كل الطبقات غنيها وفقيرها وصغيرها وكبيرها والأمي فيها قبل المتعلم. ومع الفارق الكبير في التشبيه في الشخصية ومقوماتها وزمانها ومكانها وفلسفتها ودورها في الحياة ، فقد نقيس ذلك علي االخليفة عمر بن عبد العزيز.

فلولا القدر فكيف كان للخليفة عمر بن عبد العزيز أن يكون خامس الخلفاء للدولة الإسلامية الكبري وقت كانت الخلافة سلطة مطلقة ورفاهية لا محدودة وغناء فاحش. فكيف كان لرجل وُلد في بيت مملوء بالرفاهية من كل جانب وبالدلال وبنعومة الحياة أن يتقشف ويتجلد ويصبح نموذجا في العدل والحكمة في وقت لم يكن أحد يتوقع مثول هذا النموذج بين يدي القدر مرة أخري. إنه القدر الذي جعل من الخليفة عمر بن عبد العزيز مضربا للمثل الصالح الذي يبدع حين تتجمع كل الأسباب التي تحول بين صاحبه والأبداع.

والأمثلة كثيرة للعديد من المبدعين في عصرنا هذا والذين رأيناهم بأم أعيننا وعاشوا بيننا بتنفسون هوائنا ويأكلون طعامنا ويعيشون تحديات زماننا وتحديات بيئاتهم برفاهيتها وحرمانها.

ولكن هؤلاء المبدعون المعاصرون أيضا أبدعوا رغم كل التحديات لأن القدر كان أمامهم وبجوارهم وخلفهم وفوقهم وتحتهم يهديهم إلي طريق الإبداع ويمهده لهم حتي ولو وضع بعض العراقيل من وقت لآخر أمامهم لكي يربي فيهم ويدربهم علي العزيمة والإرادة ويتولد ويتفجر الإبداع. وينطبق ذلك علي مشاهير هذا العصر مثل مصطفي محمود ، فاروق الباز ، حامد جوهر، احمد زويل ومجدي يعقوب في العلم ونجيب محفوظ وبنت الشاطئ وفاروق شوشة وفاروق جويدة في الأدب والشيخ الشعراوي في الدين وطلعت حرب في المال ومحمود الخطيب ومحمد صلاح في الرياضة ، وفي الفن أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ويوسف وهبي وغيرهم من المبدعين. وعلي مر العصور الحديثة هناك دائما المبدعون القادمون من الرق أو السلطنة ومن الفقر أو الغني. والأمثلة كثيرة مثل الظاهر بيبرس ، قطز ، صلاح الدين الأيوبي ، محمد علي ، أحمد عرابي ، محمد كريم، محمود سامي البارودي ، حافظ إبراهيم ، العقاد ، طلعت حرب ، محمد عبده ، سعد زغلول ، مصطفي كامل ، جمال الدين الأفغاني ، قاسم أمين ، محمد كريم ، السادات وغيرهم من المبدعين والذين تركوا بصمات متميزة لنا في الحياة ... إنه القدر الذي يبث قضاءه في روح أصحاب الإبداع ليبدعوا أيا كان الزمان والمكان وأيا كان الدور في الحياة. إنه القدر الذي يحرس المبدعون من فقد أسباب إبداعاتهم حتي ولو تأذوا وتألموا بعض الشيئ أثناء السير في طريق الإبداع الطويل ....

مع خالص تحياتي

ا.د. محمد لبيب سالم


إرسل لصديق