الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

« الدار الآخرة والإكتئاب » بقلم د. محمد لبيب سالم

2019-11-13 00:02:53
 د. محمد لبيب سالم
د. محمد لبيب سالم
د. محمد لبيب سالم

الإيمان بالدار الآخرة ليس رفاهية دينية أو مجرد إمتثال لأوامر الله ، وليس مجرد طقوس دينية، بل هو جزء هام من إيمان العبد الذي يحفظه من شرور النفس والتخلص من الإحساس بالظلم أو الإضطهاد الذي قد يصل به إلي حد الإكتئاب.

فإن لم يكن هناك إيمان بالبعث والمثول أمام يدي الله للحساب الأكبر لأصيب كثير من الناس بالحزن والهم والإكتئاب الذي قد يؤدي إلي الإنتحار أو علي الأقل إلي العيش ميتا علي قيد الحياة.

فمن منا لم يُظلم أو أُعتدي عليه أو إنتهكت حُرمة إنسانيته سواء كان ذلك علي مسمع ومرأي منه أو من وراء ظهره. ومن منا ليس لديه مشكلة بل مشكلات سواء كانت إجتماعية أو مالية أو صحية أو وظيفية.

وفي كل هذه الحالات يعود العبد المؤمن إلي التعلق بحبل إيمانه بالبعث وبالدار الآخرة ليكشف غمته وهمه وقلة حيلته وهوانه علي نفسه وعلي الناس هناك أمام رب العالمين.

وهنا يشعر براحة وطمأنينة وحتمية إنتهاء المظالم والهموم والأحزان. وعلينا أن نتخيل إنسانا ما لا يؤمن بالبعث ولا بالدار الآخرة.

ماذا هو فاعل بنفسه عندما تواجهه المصاعب والتحديات من قبل الناس حواليه من ظلم أو بهتان أو من قبل المرض أو الفقر أو إنقلاب الطبيعية.

فالإنسان عادة لا يشعر وقت السعادة والفرح بالحاجة إلي الإيمان بالبعث أو بالدار الآخرة لأن لحظات السعادة الحقيقية أو الوهمية تُغيب العقل عن الحقيقة الكبري وهي الموت.

أما لحظات الهم والحزن والقلق فهي التي قد تأخذ الإنسان الغير مؤمن عادة إلي طريق الإكتئاب المزمن. وقد يفسر ذلك أمرين يلجأ إليهما بعض الناس من غير المؤمنين منذ الأذل وحتي عصرنا هذا رغم كل التطور التكنولوجي الهائل الذي استطاع أن يُلهي الإنسان ويؤنسه ولو بالخيال حتي ولو كان وحيدا.

أولهما البحث عن إله أو صُنع إله أيا كان شكله وهيئته ومادته سواء كان قوة هلامية غيبية أو ممثلة في نبات أو حيوان أو جماد. ويمثل الإله هنا شُباك يطل منه الإنسان علي حياة أخري يتطلع فيها إلي عيشة راضية أو أن يستكمل حياة الدنيا بعد إنقطاعه عنها بالموت حتي ولو كان فرعونا.

وثانيهما اللجوء إلي الإكتئاب المزمن الذي قد يؤدي في معظم حالاته إلي الإنتحار. ويمثل الإنتحار هنا وسيلة نهائية للهروب من الحياة بمظالمها وقسوتها بسبب عدم الإيمان بحياة أخري حيث يمثل الموت للإنسان مجرد إختصار لفترة وجوده علي ظهر الأرض. أما من يؤمن بالله فيمثل الإيمان بالبعث والدار الآخرة فرصة أخري مؤكدة يحصل فيها العبد علي حقوقه ويتخلص من همومه وأحزانه والعيش في سلام دائم.

ولكن تمثل القضية الكبري للعبد المؤمن الذي بالبعث هي كيف الحصول علي رضاء ومغفرة الله صاحب الدار الدنيا والآخرة حتي لا تصبح الدار الآخري نقمة عليه وليس بنعمة.

ولأن المؤمن يعلم علم اليقين بغفران ربه ورحمته عليه طالما لجأ إليه وتاب واستغفر مهما عظمت الذنوب وبعُد عن الكبائر ، فالمؤمن دائماً لديه حسن ظن كبير في الله ومغفرته وحُنوه تجعله يميل دائماً ويركن إلي الأمل الكبير في الدار الآخرة كفرصة حقيقة تعوضه بالخير عما يلاقي ويكابد في الدنيا.

وهكذا نري أن إيمان العبد بالبعث والدار الآخرة ليس مجرد طقسا دينيا أو مجرد امتثالا لأوامر الله والتصديق بها ، ولكنه حبال من الطمأنينة بفرصة أخري يقدمها الله لنا ويحتفظ بها لعباده بحقوقهم والعيش في سلام دائم.

ولهذا أري أن الإيمان بالبعث والدار الآخرة يعطي مناعة ضد الإكتئاب المزمن. اللهم قوي إيماننا واحمنا من الإكتئاب وسلّمنا يوم الحساب ... آمين.


إرسل لصديق