الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

ورقة ابن نوفل بين الحقيقة والافتراء

محمد خليفة يكتب : «ورقة ابن نوفل يؤمن بخاتم الأنبياء قبل وفاته!»

2019-12-05 11:02:37
محمد خليفة
محمد خليفة
بقلم: محمد خليفة

حين نصل إلى أواخر العصر الجاهلى حتى نجد استعدادًا لفكرة الإله الواحد، وخاصة عند طائفة كانت تدعى باسم الحُنَفاء، وكانت تشك في الدين الوثنى القائم وتلتمس دينًا جديدًا يهديها في الحياة.

يقول ابن إسحاق: "اجتمعت قريش يومًا في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون "يطوفون" به، وكان ذلك عيدًا لهم في كل سنة يومًا فخلص منهم أربعة من الرجال ، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض قالوا: أجل، وهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل؛ فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبرهيم، ما حجرٌ نطوف حوله لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينًا؛ فإنكم والله ما أنتم على شيء.

فتفرق الرجال الاربع في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم، فأما ورقة بن نوفل فاختار النصرانية، وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر، وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان، وقال أعبد رب إبراهيم" ومن المعروف أنه أسلم وكان من الصحابة الأولين المقدمين.

وأكبر الظن أن كلمة حنيف معناها المائل عن دين آبائه كما يدل على ذلك اشتقاقها، ولم يكن هؤلاء الحنفاء في مكة وحدها، فقد كانوا منتشرين في القبائل.

ولنحكى لكم حكاية ورقة ابن نوفل وتتولى بعده بقية احداث الرجال الاخرين الذين تركوا عبادة الاوثان وآمنوا بالله الواحد الأحد ..

احتفلت قريش في يومٍ من الأيّام بأحد أصنامها، واجتمع أربعة رجال كانوا على يقينٍ بأنّ هذه الأصنام ليست آلهة، ولا تقرّب إلى الله تعالى كما يدّعي المشركون، وقرّروا فيما بينهم أنّ عبادة الأصنام لا يُمكن أن تكون هي الدّين الصّحيح، وتناصحوا في أن يبحثوا عن دين إبراهيم عليه السّلام الصّحيح، وهؤلاء الرّجال هم:

ورقة بن نوفل، وعُبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عَمرو بن نُفيل، فأمّا ورقة بن نوفل فقد رجع إلى كتب الأقدمين فوقع على النصّرانيّة الصحيحة واتّبعها وصار من علمائها، وتنصّر عثمان بن الحويرث، وبقي زيد بن عَمرو على ما ظنّ من أنّ دين إبراهيم -عليه السّلام- في مكّة، وأدرك عُبيد الله بن جحش الإسلام فأسلم.

وهناك رواية أخرى في دين ورقة بن نوفل وفيها أنّه كان متّبع للحنيفيّة، والدليل على ذلك قوله لأصحابه عن القوم الذين عبدوا الأصنام بأنّهم ليسوا على الدّين الصحيح، وأنّهم تركوا دين إبراهيم عليه السّلام، ومن الأدلّة أيضاً: أنّه عندما سُئل عن الذي حصل مع محمّد صلّى الله عليه وسلّم؛ أخبره ورقة بن نوفل بأنّ هذا النّاموس الذي أتى لموسى -عليه السّلام- ولم يقل عيسى عليه السّلام، ولو كان نصرانيّاً لقال عيسى.

هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى، وهو ابن عمّ أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- زوجة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واختلف العلماء في أنّ ورقة بن نوفل صحابيّ أم لا، فبعض العلماء قال: إنّه صحابيّ؛ لأنه التقى بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وآمن به ومات في فترة نزول الوَحْي، وقال البعض الآخر من العلماء: إنّه ليس صحابيّاً مع أنّه آمن بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وصدّقه، ولكنّه مات في بداية النبوّة وقبل الرّسالة.

لمّا نزل الوَحْي على رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أوّل مرّة، وكان يتعبّد في غار حراء، قال: "اقرأ"، وأعادها ثلاث مرّات، وكان المَلَك جبريل -عليه السّلام- في كلّ مرّةٍ يضمّه ضمّةً قويّةً حتى بلغ الجهد من الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ تركه جبريل -عليه السّلام- دون أن يدرك الرّسول -صلّ الله عليه وسلّم- حقيقة هذا الأمر، فذهب النبيّ - صلّ الله عليه وسلّم- إلى بيته خائفاً ومضطرباً، فلمّا رأت خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- ما أصاب زوجها طَمّأَنته وهدّأته، وأخبرته بأنّ الله -تعالى- لا يُضيع أعمال البرّ والخير التي يسعى بها بين النّاس.

ثمّ ذهبت السيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل وقصّت عليه ما حدث مع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فقال ورقة بن نوفل: "قُدّوس قُدّوس، والذي نفس ورقة بيده إن كنت صدقتنى يا خديجة، لقد جاءه النّاموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى عليه السّلام، وإنّه لنبيّ هذه الأمّة، فقولي له: فليثبت"، فرجعت خديجة -رضي الله عنها- إلى النبيّ -صل الله عليه وسلّم- وأخبرته بما أخبرها به ورقة بن نوفل، ثمّ خرج الرّسول -صلّ الله عليه وسلّم- للطّواف في الكعّبة المشرّفة؛ فلقي ورقة بن نوفل وطلب منه ورقة أن يقصّ عليه مرّةً أخرى ما حصل معه في الغار.

وحين أخبره النبيّ صلّ الله عليه وسلّم، فقال له ورقة بن نوفل أنّ الذي أتاه هو النّاموس الأكبر الذي جاء إلى موسى عليه السّلام، وأنّه نبىّ هذه الأمّة، ثمّ أخبره بأنّه سيُؤذى وسيُبتلى وسيخرج من مكّة المكرّمة، ثمّ أكّد للنبيّ -صلّ الله عليه وسلّم- بأنّه سيثبت مع النبيّ -صلّ الله عليه وسلّم- وسينصره. فلم يمضِ وقتاً طويلاً بين تبشير ورقة بن نوفل للنبيّ -صلّ الله عليه وسلّم- بنبوّته وبين وفاة ورقة بن نوفل، فبعض الرّوايات تذكر أنّ بين الحدثين يوماً أو يومين فقط.


إرسل لصديق