الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

د.عمرو حلمي يكتب عن مترجم معاني القرآن للغة البرتغالية

2019-12-06 10:05:10
د.عمرو حلمي
د.عمرو حلمي
بقلم د.عمرو حلمي

أ.د / حـلـمـي مـحـمـد إبـراهـيـم نـصـر (22مارس 1922م- 24نوفمبر2019م) مترجم القرآن الكريم إلى اللغة البرتغالية رائد تعليم اللغة العربية في دولة البرازيل مولده: ولد في 22مارس 1922م بمحافظة المنصورة, ثم التحق بالأزهر حيث بدأ دراسة اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية.

ثم تابع دراسته في الأدب العربي في جامعة القاهرة. وفي عام 1952م سافر د / حلمي إلى باريس، حيث درس الأدب الفرنسي والترجمة في«جامعة السوربون». وتابع دراساته العليا في علم النفس وعلم الاجتماع. وبعد عودته إلى القاهرة مارس التدريس في كلية الآداب في جامعة عين شمس.

لقد كان د / حلمي نصر رائد تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في البرازيل، حيث قدم إلى البلاد سنة 1962م للتدريس في كلية الفلسفة والآداب والعلوم الإنسانية. جاء لمدة عام واحد، لكنه بقي في البرازيل مدة 53 عاماً. من أبرز أعماله العلمية : أولاً: كتاب تاريخ تطور ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة البرتغالية» استعرض من خلاله الترجمات السابقة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة البرتغالية, والتي بلغت تسع ترجمات بما فيها ترجمته, كما نبه على أخطاء المترجمين في الترجمات الثمانية السابقة بقوله:«والعيب الذي تشترك فيه هذه الترجمات هو أنها كلها أو جُلُّها تمت تحت مسئولية فرد واحد, دون أن يكون هناك هيئة علمية تقوم بمراجعة الترجمة»,

كما ذكر نموذج لكل ترجمة من هذه الترجمات وبين ما فيها من أخطاء على النحو التالي: الترجمة الأولى: «ترجمة القرآن باللسان البرتغالي» كانت في أواخر القرن التاسع عشر, وهي لأحد رجال الدين المسيحي لم يذكر اسمه, وهذه الترجمة في مكتبة بلدية سان باولو, وقد ذكر المترجم أنه أخذها من ترجمة فرنسية.

وهذه الترجمة علق عليها د/ حلمي بقوله: كونها مليئة بالأخطاء اللغوية, وبما يوحي بعدم فهم النص والمجازفة بوضع كلمات لا صلة لها مطلقا بما هو في الآيات. كما أنه يضم بعض الآيات القصيرة إلى بعضها الآخر ويعطي الآيتين والثلاثة رقماً واحداً.

الترجمة الثانية: «عقود معاني القرآن» المترجم د/ نجيب معضاد - طبيب من الطائفة الدرزية, طبعت هذه الترجمة عام 1961م في البرازيل. وهذه الترجمة هي الترجمة الوحيدة في العالم للقرآن شعراً- كما قال صاحبها. وتعقبه د/ حلمي بقوله: ولم نجد الشجاعة الكاملة لإتمام قراءة هذه الترجمة إذ أنه بعد الاطلاع على عدة صفحات وجدنا أنه لا يمكن الاستمرار في القراءة لما فيها من خلط وتغيير وعدم انسجام مع التعاليم الإسلامية.

الترجمة الثالثة:«القرآن» المترجم / بنتودي كاسترو , طبعت عام 1964م في مقاطعة موزمبيق البرتغالية. وهذه الترجمة علق عليها د/ حلمي بقوله: إذا كانت الترجمة من اللغة الأصلية عادة يعتريها التغيير والتبديل فما بالُنا بترجمة مأخوذة من ترجمات أخرى كما يصرح المترجم, والواقع أن هذه الترجمات مليئة بالتعبيرات غير المطابقة للنص, عدا الأخطاء اللغوية التي تبدو في كثير من الآيات.

الترجمة الرابعة:«معاني آيات القرآن الكريم» المترجم: سمير الحايك , مسلم من أصل لبناني في سان باولو, الطبعة الأولى كانت في عام 1974م, تبعتها عدة طبعات قام بنشر بعضها مركز الدعوة الإسلامية بأمريكا اللاتينية في سان باولو.

وهذه الترجمة علق عليها د/ حلمي بقوله : فيها أخطاء عدة بالنسبة للغة العربية, وأخطاء ليست أقل منها في فهم الآيات, يضاف إلى ذلك سقوط كثير من الجمل والكلمات من الترجمة.

ونظرا لأن المترجم من المسلمين, فقد وجدنا من واجبنا أن نساعده بقدر الإمكان على تصحيح أخطاء الترجمة, لنصون القراء من الفهم الخاطئ. وعلى هذا الأساس قرأنا الترجمة كلها, وصححنا أكثر أخطاءها النحوية والتعبيرية, ثم التصحيح للمترجم الذي وعد بتحقيقه في الطبعات القادمة.

الترجمة الخامسة:«قرآن الكريم» عام 1978م, المترجم: أميركو دي كارفاليو من البرتغال وقد صرح بأنه اعتمد في ترجمته على الترجمة الإسبانية لصاحبها جوان فرنيه, ثم يقول بعد ذلك : إن النص روجع من الناحية الفنية باستخدام أربع ترجمات: الترجمة الفرنسية لمحمد حميد الله, والترجمة الفرنسية للمستشرق الفرنسي بلاشير, والترجمة الإنجليزية لعبد الله يوسف علي, والترجمة البرازيلية لسمير الحايك.

وقد قدم الترجمة السيد / سليمان والي محمد رئيس الجالية الإسلامية في البرتغال. وهذه الترجمة علق عليها د/ حلمي بقوله: هذه الترجمة خالفت في إخراجها وطريقة طبعها كل ترجمات معاني القرآن الكريم. لقد أخرجها المترجم في جزأين من سلسلة كتب الجيب, وهي الكتب الصغيرة التي تنشر بها الروايات والأقاصيص.

والأغرب من ذلك أنه جَزَّء نص القرآن إلى فقرات, ووضع لكل فقرة عنوانا جانبيا. الترجمة السادسة:«القرآن: ترجمة مباشرة من اللغة العربية مع تعليقات» المترجم: جوزيه بدرو ماشادو من البرتغال, قدم هذه الترجمة كذلك السيد / سليمان والي محمد رئيس الجالية الإسلامية في لشبونة.

طبعت هذه الترجمة عام1979م بلشبونة البرتغال. وهذه الترجمة علق عليها د/ حلمي بقوله : ويؤخذ على هذه الترجمة عدة مآخذ منها: أولاً : إن المترجم لا يحترم أرقام الآيات كما هي في المصحف, وإنما يضم بعض الآيات القصيرة إلى آيات أخرى ليجعلها آية واحدة.

أو يقسم الآية الطويلة ليجعلها آيتين أو ثلاثا , ثم يعطي رقماً لكل قسم. ثانياً : يدس سمومه في التعليق على بعض السور. فعند الكلام على سورة آل عمران يقول : إن أسلوبها رديء. وعند الكلام على سورة المائدة يقول: إن هذه السورة تنقصها الوحدة الأساسية.

ثالثاً: يخطئ أخطاء واضحة في ترجمة كثير من الآيات: مثل قوله(فمن كان منكم مريضا أو على سفر)يترجمها : فمن كان مريضا في سفر. رابعا: يحذف بعض الآيات أو أجزاء منها. خامسا: الأدهى من ذلك كله أن يتخير المترجم بعض المراجع المشبوهة المعروفة بالدس على الإسلام, لينقل منها ما يشكك في قصص القرأن.

الترجمة السابعة:«القرآن» المترجم: منصور شلّيطا لبناني, طبعت 1980م بالبرازيل. وهذه الترجمة علق عليها د/ حلمي بقوله : فعلى الرغم من أن المترجم معدود من أدباء الجالية اللبنانية في البرازيل , وأنه قام بترجمة عدة كتب إلا أنه تنقصه الخبرة في العلوم الإسلامية, وبخاصة ما يتعلق بفحوى آيات القرآن الكريم, ولذلك فقد جاءت ترجمته مليئة بأخطاء لا تليق بعالم أديب.

الترجمة الثامنة:«القرآن» المترجم: جوزيه خوري لبناني في سان باولو. وهذه الترجمة لم تطبع, وقد مات المترجم بعد إتمامها. واطلع عليها د/ حلمي ثم علق قائلا: لم يكن لدينا وقت لفحص هذه الترجمة, ولكن إكمالاً لهذا البحث, قرأنا سورة البقرة لأخذ فكرة عن الترجمة

وقد خرجنا بالملاحظات التالية: شأن هذا المترجم هو شأن أكثر المترجمين الذين ليس لهم خلفية في الثقافة الإسلامية, وقد لاحظنا أن فيها شيئا من الأخذ عن ترجمات أخرى, لتشابه الأغلاط. الترجمة التاسعة:«ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة البرتغالية» المترجم: حلمي محمد نصر مصري.

تمت هذه الترجمة سنة 1408هـ , بتكليف من رابطة العالم الإسلامي وأما المميزات التي امتازت بها هذه الترجمة عن الترجمات السابقة فهي على النحو التالي: أولا: هذه أول ترجمة عربية يوضع فيها النص العربي أمام ترجمة المعاني.

ثانيا: هذه أول ترجمة تبدأ قراءتها من اليمين إلى الشمال,على عكس بقية الترجمات البرتغالية التي تبدأ كلها من الشمال إلى اليمين.

ثالثا: كل سورة يصحبها في المبدأ باللغة البرتغالية نبذة مختصرة عن الموضوعات التي تتضمنها, مع شرح لبعض الكلمات, لتبسيط فهم المعنى المقصود من الآيات الشريفة. رابعاً: يبدوا أن هذه الترجمة يتم فيها ترجمة البسملة بصورة مطابقة للغة العربية.

الثاني: «ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة البرتغالية» والتي استغرقت عشرون عاما اعتبارا من عام 1984م حتى عام 2004م , حيث قام«مجمع الملك فهد» في المدينة المنورة بطباعتها سنة 2005م، وتم توزيعها في البرازيل من قِبَل«الغرفة العربية البرازيلية».

وبمناسبة إطلاق ترجمة معاني القرآن الكريم، خلال حفل أقيم في«برازيليا»، أعرب د/ حلمي عن أمله بأن يسهم إنجازه في تعزيز التقارب ما بين الشعوب، فقال: «إن قراءة القرآن الكريم هي وسيلة للاستمتاع بالحياة وبعبادة الله. وبالتالي أدعوكم جميعاً لقراءة القرآن الكريم والاستمتاع بمعانيه. وليس الهدف من هذا العمل تحويل الناس إلى مسلمين، ولكن لفت نظرهم لوجود دين قد يساعدهم في حياتهم. ربما في المستقبل نتعمق في دراسة القرآن هنا في البرازيل».

الثالث: أصدر د/ حلمي«القاموس العربي البرتغالي»، بمناسبة انعقاد قمة الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية، في العاصمة البرازيلية.

وأكد آنذاك على أهمية هذا المشروع الذي سيخدم الجالية العربية في البرازيل. الرابع: أصدر في أواخر السبعينيات من القرن الماضي كتاب«دروس في اللغة العربية لغير الناطقين بها»، مصحوباً بتسجيلات الدروس باللغة العربية بصوته.

الخامس: قام بترجمة كتاب«عالم جديد في الأوساط الاستوائية» من اللغة البرتغالية إلى العربية لعالم الاجتماع البرازيلي«جيلبرتو فريري»، لينقل للقارئ العربي نبذة عن تاريخ تكوين المجتمع البرازيلي.

فأما المناصب التي شغلها د / حلمي : كان د/ حلمي من أكبر المروجين للثقافة العربية والإسلامية خارج العالم الأكاديمي لذا شغل عدة مناصب منها: أولاً: في السبعينيات من القرن الماضي،حصل على عضوية«الغرفة العربية البرازيلية»ففي البداية كان عضواً في لجنة مكلفة بجمع الأموال لبناء مبنى المستشفى السوري اللبناني.

ولم يبتعد عن الغرفة بعد ذلك. حيث شغل عضوية مجلس الإدارة في إدارات متتالية. وفي عام 1992م، استطاع د/ حلمي أن يحصل على اعتراف«جامعة الدول العربية»,و«إتحاد الغرف العربية»بـ«الغرفة التجارية العربية البرازيلية».

ثانياً : في عام 2007م أصبح عضواً في«المجلس التنفيذي للملتقى العالمي للعلماء والمفكرين المسلمين»التابع لرابطة العالم الإسلامي، التي يقع مقرها في مكة المكرمة.

وذلك نظراً لإسهامه في نشر الإسلام في البرازيل. وأما حياته الاجتماعية : فبعد حصول د/ حلمي على الجنسية البرازيلية تزوج من السيدة«نيدا غطاس»، أستاذ اللغة الإسبانية في«جامعة ساو باولو». والتي توفيت سنة 2008م.

الحنين إلى الوطن : ففي سنة 2015م قرر د/ حلمي الابتعاد عن الحياة العامة والعودة إلى القاهرة لدفء الأهل والأصدقاء. واعترف آنذاك لـ«وكالة الأنباء العربية البرازيلية-أنبا» أنه«بدأ يشعر بالوحدة». وتابع قائلاً:«لقد أتممت مهمتي. وسأنهي حياتي بسلام».

اهتمامات د / حلمي حول الإسلام والمسلمين في البرازيل تتجلي واضحة فيما يلي: أولا: تأكيده على انتشار الإسلام بالبرازيل قبل اكتشاف الأمريكتين كما في بعض البرديَّات والمخطوطات القديمة.

ثانيا: أشاد بدور المسلمين في بناء الحضارة الغربية الحديثة في قارة أمريكا الجنوبية وخصوصا دولة البرازيل

ثالثا: كشف اللثام عن جرائم محاكم التفتيش الصليبية البرتغالية والتي مورست ضد المسلمين في البرازيل.

رابعا: بين حاجة المسلمين في البرازيل إلى وجود مؤسسات إعلامية تنطق بلسانهم, وأن غيابَ وسائل الإعلام هناك كان له تداعياتٌ سلبية على الجالية المسلمة في مجمل الأراضي اللاتينية.

خامسا: أوضح أن الإسلام دين رحمة ومحبة وأمان، ويرفض التعصب والعنف والكراهية ويحمي حقوق مخالفيه في العقيدة، ويحفظ كرامتهم.

وأن الإسلام يأمر أتباعه بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويكفل لكل فرد الحرية و المساواة، والعدالة الاجتماعية، ويحطم التفرقة العنصرية بين المسلم وغير المسلم، ويحترم الأديان السابقة، ويكفل للنفس البشرية حياة آمنة مطمئنة. وفـــاتـــه : يوم الأحد 24نوفمبر 2019م بمصر عن عمر ناهز 97عاماً.

هذا وقد نعى«مركز الدعوة الإسلامية» بأمريكا اللاتينية ودول البحر الكاريبي وكافة الجمعيات الإسلامية بالبرازيل الفقيد وأعلن رسمياً إقامة العزاء له في« مسجد البرازيل» يوم الأحد 1 ديسمبر 2019م، كما قدموا العزاء لمحبيه عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تفاعلت مع نبأ الوفاة.

لقد كان د / حلمي نصر شخصية محبوبة ومحترمة من قبل أبناء الجالية العربية والإسلامية في البرازيل، وعلى الأخص في مدينة«ساو باولو»، وكذلك في الوسط الأكاديمي. كان يتمتع بكاريزما مميزة، ولم تكن الابتسامة تفارق وجهه. وكان دائما مستعداً لرواية القصص الطويلة والاستماع لها. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجعل ما قدمه من علم في خدمة كتاب الله في ميزان حسناته يوم القيامة


إرسل لصديق