الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

جيهان عجلان تكتب : كلمة إلى الأمة الإسلامية

2019-12-12 18:02:08
جيهان عجلان
جيهان عجلان
بقلم: جيهان عجلان


ما الذي يجب أن تفعله الأمة الإسلامية في ظل الظروف الراهنة؟ وكيف لها أن تتصدى لتلك الشرور الكثيرة التي تتربص بها من نفسها ومن خارجها؟.

قبل الإجابة على هذه التساؤلات يجب أولا أن نرجع لدورس علمنا إياها الله تعالى في القرآن الكريم الذي هو دستور تعلمنا، وسنة رسول الله صل الله عليه وسلم، فقد جعل الله الفئة القليلة تنتصر على الفئة الكثيرة وذلك بالإيمان والقوة والاتحاد لقوله تعالى: "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)" البقرة.

هذا كلام الله عز وجل لنا؛ ليخبرنا أن النصر عامله اليقين والإيمان، حتى لو كانت عوامل نصرك المادية لا تؤهلك لذلك، فقد نصر الله المؤمنين على الكافرين رغم قلة عددهم وعدَّتهم، وذلك ليقينهم بإن النصر من الله وأن في الاتحاد قوة، فقد حرص النبيُّ صل الله عليه وسلم بعدَ هجرتِه إلى المدينة علَى الاتحاد، فآخَى بيْنَ المهاجرين والأنصار، فكانُوا جميعاً يداً واحدةً وجسداً واحداً، فقَدْ طبقُوا تعاليم رسُول اللهِ صل الله عليه وسلم، الذِي قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

وكان سبب حرص النبي ﷺ على ذلك؛ ليشتد عضد الإسلام ويصلب عود المسلمين بهذا الاتحاد؛ لأن الله يحب الجماعة في الدين.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّى اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

ولكن ما هو حال أمتنا الآن؟ تفرقت الأمة بالأعمال القبيحة والنية الفاسدة فخُذِل العدد الكبير منا أمام اليسير من العدو.

لهذا حث الله تعالى في كتابه القرآن الكريم على الوحدة والتمسك بمنهج الله، فقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) آل عمران، وقال "وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) المائدة.

وقال: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)" النحل، وقال:"وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)"، الحج.

وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)" الأنفال.

فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا، بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره بالألسن، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم ربي، وقال تعالى "مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46) "فصلت".

أي: إنما يعود نفع ذلك على نفسه، (ومن أساء فعليها) أي: إنما يرجع وبال ذلك عليه، (وما ربك بظلام للعبيد ) أي: لا يعاقب أحدا إلا بذنب، ولا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.

وقال الله عز وجل في كتابه الكريم "إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) الإسراء.

أي إن أحسنتم فلأنفسكم وإن أسأتم فعليها ثم قال (فإذا جاء وعد الآخرة) أي: المرة الآخرة، أي: إذا أفسدتم المرة الثانية وجاء أعداؤكم (ليسوءوا وجوهكم)، أي: يهينوكم ويقهروكم (وليدخلوا المسجد).

أي بيت المقدس (كما دخلوه أول مرة)، أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار (وليتبروا)، أي: يدمروا ويخربوا (ما علوا) أي: ما ظهروا عليه (تتبيرا) ابن كثير.

وهذا هو الحال الآن يحتلون المسجد الأقصى ويفسدون في الأرض، ويشعلون الفتن باسم الإسلام مستخدمين عناصر الضعف فيه؛ ليتفرق الصف وتضعف القوة، ثم يلتفتون هم؛ ليجمعون لأنفسهم عناصر القوة المادية والبشرية من بقاع الأرض، بعدما كانوا متفرقين معزولين في كل بلد تجد منهم جماعة ضعيفة لا قوة لها غريبة بلا وطن، ولكن أصبحوا الآن يجتمعون في بقعة واحدة وصنعوا لهم وطنا غصبوه من أهله رغم أنف أمة الإسلام أجمعين، ما الذي دعاهم وجرَّئهم على ذلك وهم بالأصل أهل ضعف وهوان، لأنهم تسللوا من بين ضعف المسلمين وغياب الإيمان وغفلتهم عن ربهم، حتى تفرقوا وأصبحوا شيعا تناطح بعضها البعض؛ لتجد المسلم يظاهر بسلاحه أخيه المسلم الذي يشهد أن لا آله إلا الله وأن محمد رسول الله رغم نهي الله ورسوله عن ذلك فقد رَوَى البخاريُّ عن رسولِ الله ﷺ، أنه قال: "إذا التقَى المسلمانِ بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النَّار".

والمعنى أنَّ هذينِ المسلمَينِ اللَّذَيْنِ تَوَاجَهَا للقتال بسَيْفَيْهِمَا وكانَ كُلٌّ منهما يقاتلُ على الدُّنيا فالقاتلُ في ذلكَ أمرُه ظاهرٌ لأنه قَتَلَ نَفْسًا مسلمةً، وأمَّا المقتولُ فسَبَبُ استحقاقهِ عذابَ الله بالنَّارِ في الآخرةِ هو أنه كانَ حريصًا على أنْ يقتلَ صاحبَه فلأجلِ نيَّته وعَمَلهِ استحقَّ عذابَ الله، فبنيَّتهِ وحَمْلهِ السَّيفَ في وجه أخيهِ المسلمِ ليقاتلَه استحقَّ عذابَ الله فكونُه مقتولا لا يرفعُ عنه استحقاقَ العذاب، وبهذا كان نصر الكافرين ضرب المسلمين بالمسلمين؛ لينشغلوا عنهم وعن إتمام مخططهم؛ لتكوين دولة الكافرين وفقا لعقيدتهم الفاسدة بإن لهم ميراث الأرض كلها.

يا أمة الإسلام يدق الآن ناقوس الخطر وتنهار أمتكم دولة تلو الأخرى بسواعد أبنائها الظاهرة والسواعد الكافرة هي الخفية، بالله عليكم أفيقوا وانتبهوا من ثمالة غيبت عقولكم وألبست عليكم الحق بالباطل انبذوا هذه الفرقة وجمعوا هذا الشتات؛ لتكون قوة الإسلام عربية موحدة منطقها الحق، فيجب على أمة الإسلام أن تكون مجتمعة في ظل هذا الاختلاف الذي شق وحدتها؛ حتى تعود متحدة مجتمعة على منهج الله السماوي الذي أمر به وقال "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَاۗ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِۚ وَأُولٰئِك هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُۚ وَأُولٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) آل عمران.

أي تعلقوا بأسباب الله جميعًا. وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله تعالى "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواۚ وَاتَّقُوا اللَّهَۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) الحشر.

أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر.

أي: اتقوه في امتثال أوامره وترك نواهيه; فإن الله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره.

وقد ثبت في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه".

قال الله تعالى: "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" (26) ص.

هذه وصية من الله - عز وجل - لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله وقد توعد الله تعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد.. "تفسير ابن كثير".

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه..

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب..


إرسل لصديق