القاتل الصامت.. تحذيرات من صيف أكثر قسوة
مع بداية صيف 2026، يجد العالم نفسه في مواجهة عدو غير مرئي يواصل حصد الأرواح بصمت، فبينما تتصاعد درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، أطلقت منظمة الصحة العالمية تحذيرا جديدا من موجات الحر التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات التغير المناخي، مؤكدة أن أكثر من 200 ألف شخص فقدوا حياتهم في أوروبا منذ عام 2022 بسبب الحرارة الشديدة.
منظمة الصحة العالمية الخطر لم يعد مستقبليا
شدد مدير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، هانز هنري كلوج، على أن آثار التغير المناخي أصبحت "خطرًا حاضرًا وواضحًا"، مؤكدًا أن الحرارة الشديدة تمثل أكثر الظواهر المناخية فتكًا بالبشر وذلك خلال فعالية عُقدت في العاصمة الألمانية برلين لإطلاق إرشادات جديدة للتعامل مع موجات الحر.
ووصف كلوج موجات الحر بأنها "قاتل صامت"، مشيرًا إلى أن الجزء الأكبر من الوفيات المسجلة كان من الممكن تفاديه عبر إجراءات وقائية أكثر فاعلية واستعدادًا أفضل من جانب الحكومات والمجتمعات.
الفئات الأكثر هشاشة في دائرة الخطر
وتؤكد المنظمة أن كبار السن والأطفال والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، خاصة أمراض القلب والكلى، هم الأكثر عرضة لمضاعفات الحر الشديد.
فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى الجفاف وضربات الشمس وتدهور الحالات الصحية القائمة، ما يرفع معدلات الوفيات خلال فترات الحر الممتدة.
لكن الأرقام المعلنة لا تعكس الصورة الكاملة، إذ يتأثر ملايين الأوروبيين سنويًا نفسيًا وجسديًا نتيجة موجات الحر المتكررة، في وقت تسجل فيه أوروبا أسرع معدلات ارتفاع للحرارة مقارنة بمختلف مناطق العالم.
مايو 2026 يقرع أجراس الإنذار
وتتزامن هذه التحذيرات مع بيانات مناخية مقلقة كشفت أن مايو 2026 كان ثاني أكثر أشهر مايو حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية عالميا.
وأظهرت بيانات خدمة "كوبرنيكوس" الأوروبية أن متوسط حرارة الأرض بلغ نحو 1.42 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بينما استمرت حرارة المحيطات عند مستويات قريبة من الأرقام القياسية.
كما شهدت عدة دول أوروبية موجات حر مبكرة واستثنائية حطمت أرقامًا قياسية، ما عزز المخاوف من تسارع وتيرة التغير المناخي.
عودة “إل نينيو” تهديد جديد يلوح في الأفق
ويزيد من المخاوف احتمال عودة ظاهرة "إل نينيو" المناخية خلال النصف الثاني من العام وتشير تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن الظاهرة قد تتطور بقوة مع نهاية 2026، ما قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في درجات الحرارة العالمية وزيادة حدة الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات الجفاف والحرائق إلى الفيضانات والأمطار الغزيرة.
دعوات لتحرك عاجل قبل فوات الأوان
وفي مواجهة هذا الواقع، دعت منظمة الصحة العالمية إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتوسيع المساحات الخضراء داخل المدن، وضمان وصول المياه إلى الفئات الأكثر ضعفًا، إلى جانب تعديل ساعات العمل للحد من التعرض المباشر للشمس.
ومع تزايد المؤشرات على أن عام 2026 قد يكون من بين أكثر الأعوام حرارة في التاريخ الحديث، تبدو أوروبا أمام اختبار صعب في معركتها مع "القاتل الصامت"، فيما يحذر العلماء من أن العالم يدخل مرحلة جديدة من السجلات الحرارية القياسية ما لم تُتخذ إجراءات حاسمة للحد من أزمة المناخ المتفاقمة.





