لغز البقعة الحمراء.. لماذا تبدو أفريقيا وكأنها تحترق من الفضاء؟
للوهلة الأولى، تبدو خرائط الأقمار الصناعية التابعة لوكالة "ناسا" وكأنها تنذر بكارثة بيئية غير مسبوقة بقعة حمراء ضخمة تمتد عبر قلب أفريقيا وجنوبها، توحي بأن القارة بأكملها تلتهمها النيران مشهد يثير القلق، خاصة مع تزايد حرائق الغابات في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال السنوات الأخيرة.
مشهد مرعب من السماء لكن الحقيقة مختلفة
لكن خلف هذا المشهد الصادم، تكمن حقيقة مختلفة تمامًا؛ فليست كل بقعة حمراء تعني كارثة، وليست كل النيران دليلًا على دمار واسع.
لماذا تظهر أفريقيا بهذا اللون الأحمر؟
تعتمد الأقمار الصناعية على رصد ما يُعرف بـ"الشذوذ الحراري"، أي أي مصدر للحرارة على سطح الأرض، دون التمييز بين حريق صغير أو حريق هائل ولهذا قد يظهر حريق محدود في حقل زراعي بالحجم نفسه الذي يظهر به حريق يمتد على آلاف الهكتارات.
ومع قيام ملايين المزارعين في مناطق السافانا بإشعال حرائق صغيرة في التوقيت نفسه، تتجمع هذه النقاط على الخرائط لتشكل ما يبدو وكأنه حريق عملاق يغطي مساحات شاسعة من القارة.
تقليد زراعي عمره قرون
في أجزاء واسعة من أفريقيا، لا تُشعل النيران بهدف التدمير، بل تُستخدم كوسيلة زراعية تقليدية توارثتها الأجيال إذ يعمد المزارعون والرعاة إلى حرق بقايا النباتات والأعشاب بعد جفافها لتنظيف الأراضي الزراعية، وتحويل الرماد إلى سماد طبيعي يغذي التربة، فضلًا عن تحفيز نمو أعشاب جديدة تستخدم في رعي الماشية.
وتتميز هذه الحرائق بأنها منخفضة الشدة وسريعة الاشتعال والانطفاء، وغالبًا ما تكون جزءًا من دورة بيئية طبيعية في مناطق السافانا.
أرقام تكشف مفاجأة غير متوقعة
ورغم الصورة التي تعكسها الخرائط، فإن البيانات الحديثة تشير إلى أن موسم حرائق أفريقيا 2025-2026 سجل أحد أدنى معدلات المساحات المحروقة والانبعاثات الكربونية منذ بدء رصد الأقمار الصناعية.
وتستحوذ القارة على النسبة الأكبر من المساحات المحترقة عالميا، إلا أن معظمها يقع في النظم البيئية العشبية، حيث تعد النار عنصرا طبيعيا في تجدد الغطاء النباتي، وليس مؤشرا دائمًا على كارثة بيئية.
استثناءات مقلقة وسط الصورة الإيجابية
لكن هذا التراجع العام لا يعني اختفاء المخاطر بالكامل ففي السودان، ارتفعت المساحات المتضررة من الحرائق للعام الرابع على التوالي، خاصة في شمال دارفور وأجزاء من كردفان، في ظل ظروف أمنية معقدة يُعتقد أنها ساهمت في تفاقم الأزمة.
كما شهدت مقاطعة الكاب الغربية في جنوب أفريقيا موسمًا استثنائيًا من الحرائق تجاوز معدلاته التاريخية بشكل كبير، ما يؤكد أن بعض المناطق لا تزال تواجه تحديات بيئية خطيرة رغم انخفاض المؤشرات على مستوى القارة.
بين الفائدة والخطر
ورغم فوائد الحرائق الزراعية في تحسين خصوبة التربة، فإنها ليست خالية من المخاطر فهي قد تؤدي إلى تلوث الهواء، وتدهور جودة التربة عند الإفراط في استخدامها، كما يمكن أن تتحول في لحظات إلى حرائق خارجة عن السيطرة إذا ساعدت الرياح على انتشارها.
وهكذا، تكشف البقعة الحمراء التي تثير الذعر على خرائط الفضاء قصة مختلفة تمامًا؛ فهي ليست دليلًا على احتراق أفريقيا، بل انعكاس لممارسات زراعية تقليدية تمتزج فيها الطبيعة بالإنسان، مع بقاء الحاجة إلى إدارة هذه الحرائق بحذر حتى لا تتحول من وسيلة للحياة إلى مصدر للخطر.





