وفاء أبو السعود تكتب: ليست الصورة كما تبدو: سيكولوجية الصور وتأثيرها
هل غيّرت صور الذكاء الاصطناعي طريقة الإنسان في رؤية الحقيقة والإبداع، أم أنها مجرد أداة جديدة يستخدمها الإنسان؟
في الآونة الأخيرة، وفي هذا العالم الرقمي، ظهر تطور كبير في العديد من المجالات، ومن بينها تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن أبرزها الصور التي يتم توليدها بواسطة خوارزميات الكمبيوتر. وهي تقنية تقوم على نماذج رياضية ذكية، يتم تدريبها على آلاف ومليارات الصور والبيانات المخزنة، ومن خلال كتابة بعض الكلمات التي تصف التصور المراد عمله، تتولى الآلة بعد ذلك تحويل هذا الوصف وهذه الكلمات إلى صورة، من خلال توليف الأنماط والصور والخطوط والألوان والإضاءات والأماكن، لتنتج صورة قد تبدو طبيعية، ولكنها في الحقيقة على غير الواقع، وليس لها وجود فعلي.
ومما لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي قد فتح بابًا جديدًا للإبداع لم يكن متاحًا من قبل، لكنه في المقابل وضعنا أمام أسئلة كثيرة، ليس فقط أمام أنفسنا، وإنما أمام المجتمع وذاكرة الشعوب أيضًا. فهي ليست تقنية حديثة وحسب، وإنما ظاهرة ستؤثر في الإنسان وفي نمط تفكيره وسلوكه، وستؤثر بشكل كبير في المجتمع.
بدأت صور الذكاء الاصطناعي منذ سنوات، وتطورت عبر مراحل عديدة، وبلغت مرحلة متقدمة في عام 2021، حيث أثبتت الأبحاث قدرة الآلة على توليد الصور بجودة عالية انطلاقًا من الوصف النصي، وبذلك انتقلت التقنية إلى نطاق أوسع.
وما إن بدأت هذه الصور في الظهور حتى اندفع الناس جميعًا إلى استخدام هذه التقنية لصناعة صور مختلفة؛ فقد ارتدى أحدهم ثوبًا ليس ثوبه، وذهب إلى مكان لم يره من قبل، وجلس مع أشخاص لم يلتقِ بهم أصلًا عبر الأزمنة، فكانت الصورة أكثر جمالًا وإشراقًا، وصورة أصغر سنًا وأكثر أناقة، وبألوان زاهية راقية.
فما المقصود من تلك الصور؟ وما تأثيرها على صاحبها؟
تلك الصور، بلا أدنى شك، تمنح الإنسان لحظات من الخيال، وقد تحقق له سعادة وقتية وترضي نفسيته، وتجعله يعيش لحظات في واقع أجمل من واقعه، في الصورة التي رسمتها الآلة له، وإن كانت على غير الحقيقة. إلا أن لهذه الصور أبعادًا نفسية وسلوكية على صاحبها تتعدى كونها صورة تُصنع الآن ثم تُنسى بعد قليل، وتمتد آثارها إلى المجتمع أيضًا.
أما صاحب الصورة، فقد يعيش لحظات من سعادة زائفة وواقع مشوّه، وقد يحاول الإنسان باستمرار مقارنة الصورة بالواقع، والحقيقة بالخيال ، فهي صورة لا تعبّر عنه، ولكنه يتمنى أن يكون بداخلها، وهو ما قد يؤثر سلبًا في ثقته بنفسه، وبواقعه، وبقدراته.
وبعد فترة من الوقت، قد تتكون ذكريات غير حقيقية عن أحداث غير حقيقية، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى نوع من الانقسام الداخلي: فهذا الشخص يمثل أيهما؟ نفسه أم تلك الصورة؟
وأما رؤيتها والتعامل معها من الآخرين، فقد تترك انطباعًا غير حقيقي عن هذا الشخص. وبعد فترة، قد يصبح من الصعب التفريق بين الواقع والمزيف، وبين الوهم والحقيقة، مما يؤثر في سلامة المعلومات والثقة.
ورغم أن الصورة قد تكون أكثر جمالًا وإشراقًا، الا انها تظل صمّاء وأقل حيوية، لأنها صورة مصطنعة لا تعبّر عن الواقع. فقد غرق الجميع في تجميل الصورة دون تجميل الجوهر، وعاش البعض في زيف وخيال لا يمت للواقع بصلة.
تلك التقنية لم تُصنع هباءً أو دون قصد؛ فمن خلال سيكولوجية الصورة وتأثيرها، يمكن إدراك مدى قدرتها على التأثير في عقل الإنسان وسلوكه ونفسيته.
وبالرغم من وجود العديد من الإيجابيات، مثل توفير الوقت والجهد في إنتاج الأفكار، وتطوير قدرات الآلات على فهم الصور، وسهولة الاستخدام وإتاحة أدوات جديدة للإبداع ونشر ثقافات وصور بصرية حديثة مما ساعدت كثيرًا في مجالات الإعلان والتسويق وتصميم المنتجات والألعاب والأفلام والرسوم التوضيحية.
إلا أنها، في المقابل، قد تؤثر في قدرة الإنسان الإبداعية إذا تحول استخدامها إلى نوع من التواكل والاعتماد المفرط على الآلة بدلًا من تنمية مهاراته الشخصية. وقد تؤدي كذلك إلى التضليل ونشر الأخبار الكاذبة والتلاعب بآراء الناس؛ فقد تضيع الحقيقة وسط الأوهام، ويضيع الوعي وسط الأكاذيب.
وهنا يظهر خطر آخر أكثر عمقًا، يتمثل في التلاعب بالوعي الجمعي وإعادة تشكيل وعي الشعوب من خلال أحداث وصور غير حقيقية، يمكن أن تُقدَّم للإنسان وكأنها توثيق لحقيقة حدثت بالفعل.
والأهم من ذلك أن الصورة لم تعد تصلح وحدها دليلًا قاطعًا على الواقع أو الحقيقة؛ فقد أثبت الذكاء الاصطناعي، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الصورة يمكن أن تكون وهمًا وزيفًا، وأن ما تراه العين ليس بالضرورة هو الحقيقة.
وحقيقي أن الآلة، بشكل عام، وتقنياتها قد أفادت الإنسان الا انها فتحت أبوابًا كثيرة لفقدان الثقة وصعوبة التمييز والتوثيق بين الصورة الحقيقية والمصطنعة.
بل أصبح من الممكن أن يتشكك الإنسان في الصورة الحقيقية وسط هذا الكم من الصور المزيفة، كما ستساعد هذه التقنيات على تغيير معايير الجمال والإبداع والصورة البصرية، وعلى تغيير طريقة تفكير الإنسان في نفسه وفي مظهره. كما تتيح استخدام هذه الصور في انتحال الشخصيات وإنشاء هويات زائفة ووهمية.
لذلك، فقد أصبح من الضروري وضع قواعد أخلاقية وقانونية لاستخدام المحتوى الاصطناعي، بما يضمن الاستفادة من هذه التقنية دون أن تتحول إلى وسيلة للتضليل أو التلاعب بالإنسان ووعيه.
إن مستقبل صور الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على تطور الآلات وحدها، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على وعي الإنسان وقدرته على استخدامها بصورة أخلاقية ونقدية ومسؤولة. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة لتوسيع الإبداع الإنساني، لكنها تصبح خطرًا عندما تتحول من أداة يستخدمها الإنسان إلى بديل عن عقله وحكمه




