محلل فلسطيني: الانتخابات التشريعية محطة لإعادة بناء المؤسسات وإنهاء سنوات الانقسام
تستعد الساحة الفلسطينية لمرحلة سياسية جديدة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر، وسط تحركات بين الفصائل والقوى السياسية للاتفاق على شكل المشاركة الانتخابية، بالتزامن مع محاولات لإعادة ترتيب المشهد الداخلي بعد سنوات طويلة من تعطل الاستحقاقات الانتخابية نتيجة الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقال الدكتور عماد عمر، الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، خلال حديثه على شاشة «إكسترا نيوز»، إن عودة الانتخابات التشريعية تمثل استحقاقًا سياسيًا وشعبيًا طال انتظاره، بعدما غابت الانتخابات عن المشهد الفلسطيني لنحو عقدين، موضحًا أن استمرار الانقسام الداخلي أدى إلى تعطيل جانب كبير من مظاهر الحياة الديمقراطية وأضعف قدرة المؤسسات السياسية على تجديد شرعيتها عبر صناديق الاقتراع.
وأوضح أن الانقسام بين حركتي فتح وحماس كان أحد أبرز العوامل التي حالت دون إجراء انتخابات عامة بصورة منتظمة، في ظل سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، مقابل إدارة السلطة الفلسطينية للضفة الغربية ووجود الفصائل المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية.
وأشار إلى أن المشهد السياسي الفلسطيني أصبح خلال السنوات الماضية قائمًا على واقع جغرافي وسياسي منقسم، الأمر الذي جعل تنظيم انتخابات تشمل مختلف الأراضي الفلسطينية تحديًا معقدًا، خاصة في ظل الخلافات المتعلقة بإدارة المؤسسات وآليات المشاركة السياسية.
إصلاح المؤسسات وإعادة الشرعية
وأضاف عمر أن إجراء الانتخابات يرتبط أيضًا بمطالب وضغوط دولية تدفع باتجاه تنفيذ إصلاحات داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات السياسية من خلال استعادة المسار الانتخابي.
وأوضح أن الانتخابات لا تقتصر أهميتها على اختيار أعضاء المجلس التشريعي، وإنما تمثل خطوة لإعادة تفعيل المؤسسات السياسية وتجديد شرعيتها، مؤكدًا أن نجاح العملية الانتخابية يتطلب توفير بيئة تسمح بمشاركة مختلف القوى والتيارات وعدم استبعاد أي طرف من العملية السياسية.
وأشار إلى أن حالة الترقب الحالية بين الفصائل لا تتعلق فقط بمبدأ إجراء الانتخابات، وإنما تمتد إلى تفاصيل المشاركة، خاصة كيفية تشكيل القوائم الانتخابية والتحالفات التي يمكن أن تتشكل خلال الفترة المقبلة.
مشاورات لتشكيل القوائم الانتخابية
وقال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني إن عددًا من القوائم بدأ بالفعل في التقدم إلى لجنة الانتخابات، بينما لا تزال قوى وفصائل أخرى تجري مشاورات داخلية بشأن الشكل الذي ستخوض به الاستحقاق، سواء من خلال قوائم حزبية مستقلة أو عبر الانضمام إلى قائمة وطنية تضم أطرافًا سياسية وشخصيات مستقلة.
وأوضح أن حركة فتح أتاحت تمديد الفترة الخاصة بتشكيل القوائم، وهو ما يمكن أن يمنح القوى الفلسطينية مساحة إضافية لإجراء مشاورات أوسع والوصول إلى تفاهمات بشأن شكل التحالفات الانتخابية.
وأضاف أن هناك تحركات لعقد اجتماعات في القاهرة بمشاركة أطراف فلسطينية مختلفة، بهدف تقريب وجهات النظر وإجراء حوار حول مستقبل العملية السياسية وترتيب البيت الفلسطيني قبل الوصول إلى موعد الاقتراع.
لماذا يسبق الحوار الانتخابات؟
وشدد عمر على أن الحوار الوطني كان من الضروري أن يسبق الانتخابات، حتى يتم الاتفاق على قواعد سياسية واضحة تحكم المرحلة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بإدارة قطاع غزة بعد الحرب، وطبيعة النظام السياسي في مرحلة ما بعد الانتخابات.
وأكد أن وجود تفاهم مسبق بين الفصائل بشأن احترام نتائج صناديق الاقتراع يمثل عنصرًا أساسيًا لنجاح العملية الانتخابية، محذرًا من أن إجراء الانتخابات دون اتفاق سياسي واضح قد يؤدي إلى إعادة إنتاج حالة الانقسام بدلًا من إنهائها.
وأشار إلى تجربة انتخابات عام 2006 باعتبارها نموذجًا يستدعي استخلاص الدروس، خصوصًا فيما يتعلق بمرحلة ما بعد إعلان النتائج، وضرورة وجود توافق سياسي يسمح بقبول النتيجة والتعامل معها ضمن المؤسسات الشرعية.
تحديات أمام الانتخابات في غزة والضفة والقدس
ولفت المحلل السياسي الفلسطيني إلى أن إجراء الانتخابات في موعدها يواجه مجموعة من التحديات العملية والميدانية، خاصة في قطاع غزة، الذي تعرض خلال الفترة الماضية لظروف إنسانية وميدانية صعبة، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالضفة الغربية والقدس.
وأوضح أن العملية الانتخابية تحتاج إلى ترتيبات واسعة تشمل فتح مراكز الاقتراع، وتنظيم حركة المرشحين والناخبين، وإتاحة الدعاية الانتخابية، وضمان قدرة القوائم على التواصل مع المواطنين في مختلف المناطق.
وأشار إلى أن العراقيل الإسرائيلية المحتملة تمثل عاملًا إضافيًا يمكن أن يؤثر على سير العملية الانتخابية، سواء فيما يتعلق بتنقل المرشحين أو تنظيم الفعاليات والدعاية الانتخابية أو الحركة بين المحافظات والمناطق الفلسطينية.
قائمة وطنية تجمع الفصائل والشخصيات
وأكد عمر أن هناك مشاورات مستمرة بين عدد من الفصائل والشخصيات الفلسطينية بهدف تشكيل قائمة وطنية واسعة يمكن أن تضم قوى سياسية وشخصيات مستقلة، في محاولة لتقديم صيغة انتخابية تجمع أطرافًا متعددة داخل الساحة الفلسطينية.
وأوضح أن حركة الجهاد الإسلامي أعلنت دعمها لفكرة القائمة الوطنية دون تقديم مرشحين عنها، بينما لا تزال الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وقوى سياسية أخرى تدرس شكل مشاركتها في الانتخابات.
وأشار إلى أن طبيعة التحالفات التي ستتبلور خلال الفترة المقبلة ستتوقف إلى حد كبير على نتائج الحوار بين الفصائل، ومدى القدرة على التوصل إلى صيغة تضمن مشاركة أوسع عدد ممكن من القوى السياسية والمجتمعية.
الانتخابات كاختبار للمشهد الفلسطيني
وشدد على أهمية إجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية، معتبرًا أن استمرار غياب الاستحقاقات الانتخابية طوال هذه السنوات خلق فجوة كبيرة في الحياة السياسية والديمقراطية.
وأوضح أن الانتخابات يمكن أن تمثل مدخلًا لإعادة تفعيل المؤسسات وتجديد الشرعية السياسية، إلى جانب منح المواطنين فرصة للتعبير عن خياراتهم من خلال عملية انتخابية، مؤكدًا أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بوجود توافق سياسي يحمي نتائج الانتخابات ويمنع العودة إلى حالة الانقسام.
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى الجمع بين المسار الانتخابي والحوار الوطني، بحيث لا تكون الانتخابات مجرد استحقاق إجرائي، وإنما جزءًا من عملية سياسية أوسع تستهدف إعادة ترتيب المؤسسات والعلاقات بين القوى الفلسطينية، والتعامل مع تداعيات الحرب ومستقبل قطاع غزة والضفة الغربية.




