جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

محمد الصباغ يكتب قصة قصيرة بعنوان : نوبة جنون

نوبة جنون
محمد الصباغ -

قصة قصيرة I نوبة جنون

تحيرنا في المصير الذي انتهي إليه ؛ وحين التقيته ذلك اللقاء الأخير ؛ فقد كان متماسكا ؛ رغم الفواجع التي كنت أعلم أنه يمر بها وقد كان يكتمها عنا ولا يكاشف بها ؛ وقد وجدته فجأة يبكي ؛ وقد عاجلته بسؤالي الغبي الشرير : "لماذا تبكي ؟! " . فقال بعد بعد أن مسح دموعه قليلا : " الحقيقة أنني أعيش أسوأ نهاية لحياتي ؛ وهذا ما يحزنني ؛ ويجعلني نادما علي تعففي ؛ فيما مضي ويجعلني نادما علي ما سبق وعلي كل اختياراتي " .

عندما رويت لحظة ضعفه وبكاءه ؛ لم أكن أدرك وقتها أنني بالفعل كنت أقتله ؛ وعندما قتل نفسه فعلا ؛ فقد كنت فعلا ؛ مدفوعا بالندم ؛ أشرع في ان أنحو نحوه وأقتل نفسي ؛ بأن أحكي لحظة ضعفي ؛ لمن يحكي ضعفي عني ؛ فأصاب بمثل الهم الذي أصاب المقتول الأول فأقتل نفسي بلا تردد .

كانت قد أصابتني نوبة الجنون ؛ التي جعلتني بعد أن قتلت المقتول الأول ؛ بأن حكيت لحظة صعفه ؛ بأن أشيع الإعتراف بالضعف ؛ وأعترف بضعفي ؛ أمام من يبلع الطعم ؛ ويستسلم بدوره لضعفه ؛ بأن يقتل نفسه .

ولما نجحت الحيلة الماكرة ؛ في قتل آخر ؛ فعلتها في مجموعة مرة واحدة ؛ بغية قتلهم جميعا ؛ قلت لهم : " بعد أن نفدت الرغبة وصار الأمل مملا ؛ وصار مجرد التنفس من أجل الإستمرار علي وجه الحياة هو في حد ذاته قاتلا ؛ وجب علينا أن نقتل أنفسنا توا . لقد مشينا في كل الطرق " المسدودة " علي وهم أن السدود سوف تنهار من تلقاء نفسها ؛ حتي وجدنا أنفسنا في ساحة الموت والفناء ؛ ولم نستطع إتمام ثقب للهروب ؛ حتي نفد العمر ؛ فلم يبق إلا الإستسلام ؛ ربما كان الإستسلام هو ذاته فتحة الهروب . أتينا إلي الحياة لكي نلقي سلاما علي الأحباب خاصة وعلي كل الناس ؛ وحتي لو لم يأتي منهم ردا ؛ سنظل نلقي السلام ، لمن كنا نود أن نظل معهم ؛ حتي تنتهي الحياة .

وحتي لو انتهت الحياة في غمضة عين وسرحة خاطر ؛ ولو لم نكن فعلنا غير إلقاء السلام فيكفينا أننا ألقينا علي أهل الحياة السلام .

إني بنيان يتصدع : هل رأيتم من قبل إنسان يتصدع وكأنه مبني متهالك ؛ لا تتماسك أجزاءه يهدم بعضها بعضا ويتساقط بعضها فوق بعض ، فيتسارع الهدم ويتسارع السقوط .

إذا عرف الإنسان أنه غير واصل وغير سعيد ؛ فهو إذا في الطريق الصحيح لتحقيق السعادة ؛ وعليه أن يسرع الخطي ؛ لكي ينهي هذا الطريق أو أن ينهي حياته ؛ إذا ما كان تواصل السير حتي علي الطريق الصحيح يهلكه .

أسعد إلي أقصي مدي بسعادة أصدقائي الرفاق وأتمني لهم مخلصا عدم الشقاء في رحلتهم للبحث عن ثقب الهروب من الحصار ؛ وأن تكون محاولات جادة لإكتشاف جديد ؛ غير الإستسلام الذي قد يكون هو لهم أيضا فتحة الهروب " .

إلي الآن لا أعرف السر في عدم نجاح خطتي مع المجموعة التي أغويتها بقتل أنفسهم ؛ ولست نادما علي عدم قتلهم انفسهم ؛ فقد كانت عدم إستجابتهم لي ؛ هي وسيلة النجاة لي ؛ من تجدد محاولاتي لإقناع نفسي ؛ بقتل نفسي .