”التوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري.. إعادة رسم للحدود بالنار والصفقات”

تصاعدت حدة الاشتباكات في محافظة السويداء مطلع يوليو 2025، قبل أن تتدخل إسرائيل بشكل علني عبر ضربات جوية استهدفت مواقع داخل الأراضي السورية.
هذا التصعيد، الذي جاء تحت لافتة "حماية الدروز"، فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول حقيقة الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري، ومآلات الخارطة السياسية والأمنية في تلك البقعة التي لطالما شكلت عقدة استراتيجية على حدود الجولان المحتل.
جنوب مشتعل.. وسويداء تنزف
بدأت شرارة الأحداث في 11 يوليو، حين اندلعت مواجهات دامية بين فصائل درزية وقبائل بدوية على خلفية حادثة اختطاف. سرعان ما اتسع نطاق الاشتباكات، ليتحول الصراع من طابع محلي إلى نزاع دموي أودى بحياة ما يقرب من 600 شخص، وفق تقديرات غير رسمية، من ضمنها المرصد السوري لحقوق الإنسان.
الجيش السوري، الذي حاول فرض السيطرة، اصطدم برفض شعبي درزي واسع، قاده الشيخ الروحي للطائفة، حكمت الهجري، الذي اعتبر أن أي وجود عسكري حكومي هو تهديد مباشر لاستقلالية المكون الدرزي، داعيًا إلى "إدارة محلية مستقلة عن دمشق".
إسرائيل تُحلق فوق الرماد
في 16 يوليو، أعلنت تل أبيب تنفيذ غارات جوية "استباقية" استهدفت مناطق جنوب دمشق ومواقع قرب السويداء، بدعوى "القلق على أمن الأقليات"، وتحديدًا الدروز، وهم شريحة تُكوّن جسراً طائفياً بين الداخل السوري والمجتمع الدرزي داخل إسرائيل.
هذا التدخل، وإن لم يكن الأول من نوعه، إلا أنه جاء هذه المرة في سياق علني، وبتبريرات أقل دبلوماسية، ما اعتبره مراقبون تحولاً نوعياً في قواعد الاشتباك. كما أنه تزامن مع رسائل إسرائيلية واضحة، مفادها: "لا عودة لوجود إيراني أو لحزب الله في المثلث الجنوبي".
هدنة مشروطة.. ومبادرة أمريكية محفوفة بالحذر
في تطور لافت، أعلن السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، مساء الجمعة، عن توصل الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى اتفاق رسمي لوقف إطلاق النار، واصفًا هذه الخطوة بـ"الاختراق الدبلوماسي الكبير"، في ظل الارتفاع المستمر في أعداد الضحايا بمحافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية.
الاتفاق، الذي جاء بوساطة أمريكية وبمشاركة فاعلة من الأردن وتركيا، يتضمن ترتيبات أمنية مؤقتة أبرزها: وقف القتال في محيط السويداء، انسحاب مؤقت للقوات السورية لمدة 48 ساعة، وتشكيل لجنة ثلاثية لمراقبة تنفيذ الهدنة.
وبحسب ما نقلته صحيفة تايمز أوف إسرائيل، سمحت تل أبيب بدخول قوات محدودة من الجيش السوري إلى مناطق الاشتباك "لأغراض إنسانية"، مع التزام بعدم استهداف التجمعات الدرزية.
لكن ما لم يُعلن رسميًا هو فحوى التفاهمات التي جرت خلف الكواليس.
تقارير غربية تحدّثت عن ضغوط مارستها واشنطن لمنع تل أبيب من توسيع نطاق العمليات، مقابل ضمانات بإبقاء الجنوب خاليًا من أي تشكيلات غير نظامية موالية لإيران.
وفي الوقت الذي رحبت فيه الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، دعا مفوضها السامي لحقوق الإنسان إلى تحقيق فوري في التقارير التي تحدثت عن "إعدامات ميدانية" وانتهاكات ارتُكبت بحق المدنيين خلال أيام القتال.
الدروز بين مطرقة النظام وسندان إسرائيل
المجتمع الدرزي في سوريا يقف اليوم على مفترق طرق. فبين من يعتبر أن الغطاء الإسرائيلي يمثل "ضمانة وجودية" لطائفة تشعر بالعزلة والخذلان، وبين من يرى أن الاستقواء بالعدو التاريخي هو "طعنة في خاصرة الوطن"، تتزايد الهوة داخل الجسم الدرزي نفسه.
الزعيم الروحي حكمت الهجري رفض التدخل الإسرائيلي ووجّه نداءً لعدم الزج بالطائفة في مشاريع إقليمية مشبوهة، فيما تبنت فصائل محلية خطابًا مغايرًا، مفضلة "الواقعية السياسية" على الاصطفاف الوطني التقليدي.
رسائل إسرائيلية: الجنوب كخط أحمر
بحسب تسريبات دبلوماسية تداولتها الصحافة الغربية، فإن حكومة نتنياهو وضعت "خطوطًا حمراء" صارمة في الجنوب السوري، على رأسها:
إقامة منطقة منزوعة السلاح تشمل القنيطرة ودرعا والسويداء.
منع أي تموضع لقوات إيرانية أو وحدات تابعة لحزب الله.
تمكين الفصائل المحلية الحليفة من إدارة شؤونها ذاتيًا، دون تدخل مركزي من دمشق.
هذه الخطوات، وإن تمت من دون إعلان رسمي، تعكس رغبة إسرائيلية واضحة في فرض واقع ميداني جديد، يعيد إلى الأذهان التجربة اللبنانية في جنوب لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت ميليشيات محلية تُستخدم كواجهة لاحتلال فعلي.
رسالة للمواطن المصرى
إن ما يدور ليس بعيدًا عنا، بل قد يكون جزءاً من حلقة تهدف إلى إنهاك مصر من الداخل عبر التضليل، والإشاعات، والضغوط الاقتصادية، وخلق بؤر نزاع قريبة من حدودها.
هنا يظهر دور المواطن المصري، صاحب البصيرة، الذي عليه ألا ينساق وراء الروايات المعلبة، وأن يدرك أن وطنه ليس فقط حدودًا مرسومة على الخريطة، بل تاريخ ودماء وشهداء وأجداد تركوا لنا الوصية: "احموا الأرض، واحفظوا العرض، وتذكروا دومًا أن من فرّط في ذرة من تراب مصر، خان الأمانة وخذل الماضي والمستقبل".
مصر ليست مجرد وطن نسكن فيه، بل وطن يسكن فينا، نحمله في تفاصيلنا، في لهجتنا، في دعائنا، وفي دموعنا حين يلوح الخطر.
ترابها ليس ترابًا عاديًا، بل فيه رائحة الأجداد، وعرق الفلاحين، وأحلام الشهداء.
في كل حبة رمل من أرضها حكاية، وفي كل نخلة على ضفاف نيلها وصية.
أيها المواطن المصري، لا تسمح أن يُخدع وعيك، ولا تترك لأعدائك فرصة أن ينفذوا من شقوق الإهمال أو اللامبالاة.
حافظ على وطنك كما تحافظ على بيتك، فهو بيتنا الكبير، وملاذنا، وكرامتنا.
عاشت مصر حرة أبية، وعاش شعبها درع الأمة وسيفها.