«طلعة رجب» في صعيد مصر: عادة اجتماعية أم موروث ديني؟

بين هيبة الموت ونبض الحياة، يحيي أهالي صعيد مصر، لا سيما في محافظة المنيا، تقليدًا شعبيًا سنويًا ضاربًا في عمق التاريخ يُعرف باسم "طلعة رجب" مناسبة تتجاوز حدود زيارة القبور، لتتحول إلى مشهد اجتماعي وإنساني مهيب، تختلط فيه مشاعر الترحم على الراحلين بتقاليد التكافل الاجتماعي، ومحاولات ربط الأجيال الجديدة بذكريات الأجداد الغائبين.
تبدأ مع بزوغ خيوط الفجر الأولى في منتصف شهر رجب من كل عام، تخرج العائلات في مركز ملوي والقرى التابعة له، بالتحديد قرية "البرشا"، فرادى وجماعات، متجهة إلى المقابر لزيارة ذويهم من الموتى، في طقس سنوي بات جزءًا من الذاكرة الجمعية لأبناء الصعيد.
ولا تقتصر الزيارة على كبار السن، إذ تمتلئ المقابر بالشباب والنساء والأطفال، في مشهد يعكس قوة الروابط الأسرية التي لا يقطعها الموت.
ويمكث الزائرون لساعات طويلة بجوار قبور أحبائهم، وسط أجواء يسودها الهدوء والخشوع، تتخللها تلاوات قرآنية، بينما تكسر نداءات الباعة الجائلين صمت المكان بين الحين والآخر.
الرحمة والنور
تُعد "الرحمة" البطل غير المتوج ليوم طلعة رجب، وهي نوع خاص من المخبوزات الشعبية يُعرف بـ"كحك الرحمة" أو "قرص الرحمة"، ويعد داخل البيوت قبل الموعد بأيام، حيث تمكث نساء القرى في تحضيره باعتباره جزءًا أصيلًا من الطقوس.
ويجري توزيع هذه المخبوزات على المارة والفقراء والمحتاجين، مصحوبًا بعبارة تتردد في أرجاء المقابر "رحمة ونور"، في دعاء يُهدى للمتوفى.
ولا يتوقف الأمر عند الكحك، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ«النفحة»، وتشمل سندوتشات اللحم، إلى جانب توزيع بعض الفاكهة مثل البرتقال والموز، فضلًا عن الصدقات النقدية.
المقابر اسواق مفتوحة
ينتشر بائعو لعب الأطفال، والبالونات، والعرائس، والطرابيش بين القبور. ويسعى هؤلاء إلى جذب الأطفال المرافقين لذويهم، فيتحول المكان من ساحة يغلب عليها طابع الحزن إلى مساحة تعج بالحركة والحياة، حيث يمتزج بكاء الفراق بضحكات الصغار.
تتعدد الآراء حول الجذور التاريخية لـ«طلعة رجب»
فبعض المؤرخين يرجع أصلها إلى العصر الفرعوني، حيث اعتاد المصريون القدماء إحياء مناسبات مرتبطة بالموتى، قبل أن يتغير توقيتها لاحقًا من التقويم القبطي إلى الهجري بعد دخول الإسلام.
فيما يرى رأي آخر أن هذه العادة تعود إلى العصر الفاطمي، وترتبط بمنتصف شهر رجب، الذي كان يحظى بمكانة خاصة لدى الشيعة آنذاك، ما أسهم في ترسيخها كعادة شعبية استمرت عبر القرون، وبقيت راسخة في الوجدان الشعبي رغم تعاقب العصور.
بين العادة والعبادة
أمام هذا الزخم الشعبي، أوضحت دار الإفتاء المصرية الموقف الشرعي، مؤكدة ضرورة التفرقة بين العادات الاجتماعية والعبادات الدينية.
في فتوى رسمية، أكدت دار الإفتاء أن ما يُعرف بـ"طلعة رجب" يُعد من العادات الاجتماعية المتوارثة، وليس من العبادات المشروعة التي ورد بها نص صريح في القرآن الكريم أو السنة النبوية.
وأوضحت أن ربط الصدقة بزمان أو مكان محدد، مثل منتصف شهر رجب أو زيارة المقابر، مع اعتقاد فضل خاص لهذا التوقيت، يدخل في باب «البدع الإضافية»، أي الأعمال المشروعة في أصلها، لكن أُضيف إليها تقييد دون دليل شرعي.
وشددت الإفتاء على أن الصدقة عن الأموات جائزة ومشروعة في أي وقت، ويصل ثوابها إليهم بإذن الله، دون اشتراط توقيت معين أو ربطها بزيارة المقابر، محذرة من إلزام الناس بعادات قد يُتوهم أنها سنن ثابتة.
كما أكدت أن زيارة المقابر في حد ذاتها مشروعة ومندوبة لما فيها من تذكير بالآخرة والاتعاظ، شريطة الالتزام بالآداب الشرعية، وعدم تحويلها إلى طقوس تعبّدية غير ثابتة.
وتبقى "طلعة رجب" نموذجًا حيًا لتداخل العادات الشعبية مع الموروث الديني في صعيد مصر، حيث يحرص الأهالي على إحيائها باعتبارها مناسبة للترحم والتواصل الاجتماعي، في وقت تؤكد فيه المؤسسات الدينية على أهمية الفصل بين العادة والعبادة، حفاظًا على صفاء المفاهيم الدينية، دون المساس بالروابط الإنسانية والاجتماعية المتجذرة في المجتمع.





