سيد الضبع يكتب: الوفد يفقد بوصلته الفكرية قبل مقاعده البرلمانية

يمثل حزب الوفد رمزية وطنية كبيرة لأغلب المصريين ، فهو الشاهد الوحيد الباقي على قيد الحياه ممن عاصروا انطلاق الحياة الحزبية في مصر وهي في قمة تألقها الوطني بعيداً عن المصالح الشخصية وما عرف مؤخراً بالمال السياسي ودوره في توجيه إرادة المواطنين.
ولأهمية ذلك الكيان السياسي العريق اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل عدة سنوات بقادة حزب الوفد، في محاولة لترميم الشروخ التي أصابت هذا الحزب العريق وحظي الاجتماع آنذاك بزخم حزبي لافت ، وتفاءل كثيرون بأن هذا الاهتمام سيمثل خطوة جادة نحو إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، مرت السنوات سريعًا، لكن الشروخ لم تُرمَّم، بل تحولت إلى تصدعات حقيقية تهدد بانهيار واحد من أعرق الأحزاب السياسية في منطقتنا العربية.
تجلت هذه التصدعات بوضوح في نتائج الانتخابات البرلمانية الراهنة، حيث لم يتناسب عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب مع تاريخه العريق، ولا مع الدور الذي كان مأمولًا منه في ظل الأوضاع السياسية التي تشهدها البلاد ، ومن المؤسف أنه لا توجد شماعة يمكن تعليق انحسار الدور الحزبي للوفد عليها سوى شماعة الانقسام الداخلي الناتج عن تغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، فأي محاولة لتفسير ما جرى بعيدًا عن هذا السبب، ليست سوى هروب من « الأصل» إلى « الفروع»، فقد تكالب من يطلقون على أنفسهم أبناء الحزب على المنافع المادية والمعنوية، بينما يعاني حزب الأمة من حالة إنهاك حقيقي.
نعم، أقصد ما أعنيه، ولا ينطلي عليّ، كما لا ينطلي على غيري، الزعم بأن المعارك الداخلية تُدار من أجل مصلحة الحزب أو أن الجميع يعمل بروح تطوعية خالصة، فالمشهد أبعد ما يكون عن ذلك.
ما يشهده حزب الوفد خلال السنوات الخمس الأخيرة تحديدًا، ينذر بعواقب وخيمة لا على الحزب وحده، بل على مجمل الحياة الحزبية المصرية، فالمعروف أن قوة أي نظام سياسي تُقاس بمدى حيوية وتماسك المنافسة الحزبية داخله، ليس من مصلحة أحد أن يتحول حزب الوفد إلى أثر أو أن يتراجع حضوره النيابي إلى هذا الحد الذي لا يليق بتاريخه ولا برمزيته الوطنية، كما أنه ليس من مصلحة أحد أن تظل حالة “الاقتتال الداخلي” هي العنوان الأبرز لبيت الأمة.
نتذكر جميعًا أن نواة جبهة الإنقاذ، التي لعبت دورًا محوريًا في تخليص مصر من حكم الإخوان، تشكلت داخل بيت الأمة ولم يكن اختيار حزب الوفد ليكون رأس حربة في مواجهة هذا المشروع من قبيل المصادفة، بل استنادًا إلى رصيد شعبي وسياسي ظل لعقود أحد أعمدة الحياة الوطنية هذا الرصيد، الذي كنا نظنه لا ينفد، بات اليوم محل مراجعة قاسية ومؤلمة.
للأسف حاضر الوفد شديد القتامة، ومستقبله بات معلقًا على قدرة أبنائه على استدراك ما يمكن استدراكه، ونخشى ما نخشاه أن يأتي يوم نبكي فيه على حزب لم تصنه الرجال، ولعل هذه الكلمات تمثل رسالة مباشرة إلى كل من يعنيهم مستقبل حزب الوفد، وتحديدًا الذين يتصارعون على المناصب: تعالوا إلى كلمة سواء، قبل فوات الأوان، غلبوا مصلحة الحزب على مصالحكم الضيقة.
لايمكن قراءة أزمة الوفد بمعزل عن غياب المشروع السياسي الواضح، فالحزب الذي كان يومًا عنوانًا لـ«الليبرالية الوطنية» ورافعًا لشعار «الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة»، يبدو اليوم وكأنه فقد بوصلته الفكرية قبل أن يفقد مقاعده البرلمانية، فبدلًا من أن يكون حزب الأغلبية التاريخية ومنبر الدفاع عن الدستور والحريات العامة، انشغل بقياداته في صراعات تنظيمية ضيقة، أفرغت العمل الحزبي من مضمونه، وحولت بيت الأمة من ساحة للنقاش السياسي الرصين إلى ساحة لتبادل الاتهامات.
الوفد الذي قاد معارك الاستقلال، وصاغ وجدان الحركة الوطنية، واحتضن أسماءً صنعت تاريخ السياسة المصرية، بات يعاني من قطيعة واضحة مع قواعده التقليدية، ومع الشارع الذي طالما رأى فيه ضمير الأمة ولسان حالها. هذا الغياب لا يرتبط فقط بالانتخابات، بل يمتد إلى ضعف الحضور في القضايا العامة، وتراجع الخطاب السياسي القادر على التعبير عن تطلعات المواطنين، في لحظة تاريخية تحتاج فيها الدولة إلى أحزاب قوية ومسؤولة، لا إلى كيانات مشغولة بذاتها.
إذا كان حزب الوفد يدفع ثمن الانقسام الداخلي، فإن الخطر الأكبر يتمثل في التعايش مع هذا الانقسام بوصفه أمرًا طبيعيًا، وهو ما يُفقد الحزب قدرته على استعادة دوره الوطني.
وأخيراً الأحزاب لا تُقاس بعدد مقراتها أو بياناتها، بل بقدرتها على التأثير وتشكيل الوعي والوجدان وتقديم بدائل، فضلاً عن صيانة إرثها التاريخي، وهو اختبار نتمنى أن ينحاز له بيت الأمة و أيقونة الحياة السياسية في مصر "حزب الوفد".

