جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

حواديت صحفية..

سيد الضبع يكتب: مصر وأفريقيا.. استراتيجية استباقية في زمن صراع النفوذ

-

نجحت مصر في إعادة توجيه بوصلتها الاستراتيجية نحو القارة الإفريقية، في خطوة عكست إدراكًا متجددًا لأهمية العمق الإفريقي في معادلات الأمن القومي والسياسة الخارجية.

فقد كثّفت الحكومة المصرية من زياراتها الرسمية إلى عمق القارة السمراء، سواء بهدف توثيق العلاقات الدبلوماسية، أو تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، بما يعيد لمصر حضورها التاريخي الذي تراجع نسبيًا خلال عقود سابقة.

ورغم أن قطاعًا من المتابعين اعتبر أن هذا التوجّه المصري تحكمه بالأساس الرغبة في تطويق المساعي الإثيوبية لبناء السدود على نهر النيل، وحرمان دولتي المصب من حقوقهما المائية، فإن اختزال الحضور المصري بأفريقيا في ملف السد الإثيوبي فقط يُعد قراءة قاصرة. صحيح أن حماية شريان الحياة للشعب المصري تمثل أولوية قصوى، لكن التوجه المصري نحو القارة السمراء، لا سيما في منطقة القرن الإفريقي، يتجاوز هذا الملف إلى أهداف أشمل وأكثر تعقيدًا، تمس جوهر الأمن القومي المصري بأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية.

أول هذه الأهداف يتمثل في مواجهة محاولات قوى معادية السعي إلى تجسير فجوة مصطنعة بين مصر والدول الإفريقية، عبر ترويج سرديات مضللة لا تمت للواقع بصلة.

وبدأت بعض هذه الأكاذيب تجد صدى داخل القارة، خصوصًا تلك التي تروج لفكرة أن مياه النيل حق جغرافي خالص لدول المنبع، في تجاهل صارخ لقواعد القانون الدولي والاتفاقات التاريخية.

وهنا جاء التحرك المصري فاعلًا، ليس عبر الخطاب السياسي فقط، بل من خلال تقديم نماذج للتعاون التنموي، والاستثمار في بناء الثقة، وترسيخ مبدأ الشراكة لا الوصاية.

ثاني الأهداف يتمثل في إدراك القاهرة للأهمية الجيوسياسية المتعاظمة لمنطقة القرن الإفريقي، باعتبارها عقدة اتصال حيوية تربط بين البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.

فاستقرار هذه المنطقة لم يعد شأنًا إفريقيًا محضًا، بل بات عنصرًا مؤثرًا في حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة، وهو ما دفع مصر إلى تعزيز التنسيق مع القوى الدولية الكبرى، انطلاقًا من موقعها كدولة مركزية في معادلة أمن البحر الأحمر.

أما الهدف الثالث، فيتعلق بمواجهة النفوذ المتزايد لقوى إقليمية أخرى تسعى إلى توسيع حضورها داخل القارة الإفريقية على حساب استقرارها، عبر دعم حركات انفصالية أو ميليشيات مسلحة، أو تصدير صراعاتها الداخلية إلى دول هشة سياسيًا وأمنيًا.

وفي هذا السياق، تسعى مصر إلى تثبيت دورها باعتبارها حجر الزاوية في حفظ الاستقرار الإقليمي، وصوتًا داعمًا لوحدة الدول الوطنية ومؤسساتها الشرعية.

ويأتي الهدف الرابع في إطار سعي القاهرة إلى بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع دول محورية مثل الصومال وإريتريا، إلى جانب توسيع دوائر التعاون مع دول حوض النيل. ولا يقتصر هذا التعاون على الأبعاد العسكرية أو الأمنية، بل يمتد ليشمل نقل الخبرات المصرية في مجالات التعليم والصحة والتكنولوجيا، والمساهمة في بناء القدرات الوطنية للدول الإفريقية، بما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات التنموية والأمنية دون الارتهان لقوى خارجية.

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، انتهجت مصر سياسة نشطة قائمة على تكثيف الزيارات الرسمية رفيعة المستوى. ويُعد نموذج زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي في 27 مايو 2021 دلالة واضحة على هذا التوجه، حيث كانت الأولى لرئيس مصري منذ عام 1977، وجاءت لتؤكد أن القاهرة تعي أهمية الموقع الاستراتيجي لدولة جيبوتي.

كما شهدت الفترة الأخيرة زيارات حكومية متبادلة مع عدد من الدول الإفريقية، أُبرمت خلالها اتفاقيات في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة، فضلًا عن التعاون العسكري والتدريب.

ولم تغب الصومال عن هذه الاستراتيجية المصرية، باعتبارها إحدى بؤر التماس المباشر مع أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث أكدت مصر، في أكثر من مناسبة، خطورة الحركات الانفصالية الصومالية على الأمن الإقليمي، ليس فقط من زاوية تفكك الدولة، بل لما يترتب على ذلك من تمدد الجماعات الإرهابية وتهديد خطوط الملاحة الدولية.

ولم يقتصر الدور المصري على التحذير، بل تُرجم إلى خطوات عملية عبر توقيع اتفاقيات استراتيجية مع الحكومة الصومالية، شملت تعزيز التعاون العسكري في مجالي التدريب والتسليح، والمساهمة في بناء قدرات الجيش الوطني الصومالي.

كما أولت القاهرة اهتمامًا خاصًا بملف مكافحة الإرهاب في الصومال، من خلال برامج تدريب متخصصة، وتبادل للمعلومات بين الأجهزة المعنية في البلدين، بما يدعم جهود مقديشو في بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، وتجفيف منابع الإرهاب، وتأمين الحدود البرية والبحرية.

استنادًا إلى ما سبق، فإن عودة مصر بقوة إلى قلب القارة الإفريقية، لا تعكس رد فعل محدود الأهداف، بل تمثل استراتيجية استباقية واعية، تسعى من خلالها القاهرة إلى تحصين أمنها القومي، وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، في ظل مساعٍ محمومة من بعض القوى الإقليمية لتصدير أزماتها الداخلية إلى محيطها الجغرافي، وعلى رأسه الدولة المصرية.