بين تهدئة السياسة وقلق الأسواق… النفط على صفيح ساخن والاقتصاد العالمي يدفع الثمن

رغم أن أسواق النفط التقطت أنفاسها مؤخرًا، بعد أكبر تراجع للأسعار منذ يونيو، إلا أن الهدوء الحالي يبدو أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى استقرار دائم. فالسياسة ما زالت تمسك بخيوط السوق، والجغرافيا السياسية تفرض نفسها بقوة على برميل النفط، الذي يظل المؤشر الأكثر حساسية لأي اضطراب في الشرق الأوسط.
استقر خام برنت قرب 64 دولارًا للبرميل، بعد هبوط حاد تجاوز 4% في يوم واحد، بينما تماسك خام غرب تكساس الوسيط عند حدود 59 دولارًا. هذا التراجع لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل سياسيًا في المقام الأول، بعد تسريبات صحفية كشفت أن واشنطن لا تنوي، في الوقت الراهن، توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأجيل أي تحرك عسكري.
لماذا هدأت الأسعار فجأة؟
الأسواق تكره المفاجآت، لكنها تتنفس الصعداء عند غيابها. تراجع احتمالات الضربة الأمريكية خفّض فورًا علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تُسعّر داخل برميل النفط، خاصة مع مخاوف تعطّل الإنتاج أو الملاحة في الخليج. لكن هذا لا يعني أن الخطر زال، بل فقط تأجّل.
ورغم نبرة التهدئة، تتحرك واشنطن في الاتجاه المعاكس عمليًا، عبر تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط. حاملة طائرات واحدة على الأقل تشق طريقها للمنطقة، مع توقع وصول أصول عسكرية إضافية. رسالة مزدوجة للأسواق: لسنا في حرب… لكننا مستعدون لها.
السوق بين السياسة والواقع الاقتصادي
يُجمع محللو الطاقة على أن أي تأخير في الرد الأمريكي يسمح بتآكل علاوة المخاطر تدريجيًا، لتعود العوامل الأساسية — وعلى رأسها فائض المعروض وضعف الطلب العالمي — إلى صدارة المشهد. فالعالم لا يعيش أفضل حالاته الاقتصادية: تباطؤ في الصين، ضغوط على سوق العمل الأمريكي، وسياسات نقدية ما زالت حذرة.
ورغم أن النفط حقق مكاسب منذ 8 يناير بسبب مخاوف استهداف إيران — رابع أكبر منتج في أوبك — إلا أن الأداء العام يظل من الأسوأ منذ 2020، مع تهديد زيادات الإنتاج بتجاوز نمو الطلب البطيء.
مضيق هرمز… العقدة الكبرى
السيناريو الأخطر يظل مرتبطًا بمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 25% من النفط والغاز المسال عالميًا. أي ضربة عسكرية أمريكية قد تدفع إيران للرد عبر تهديد الملاحة، وهو ما سيشعل الأسعار فورًا.
صحيح أن هناك خطوط أنابيب بديلة في السعودية والإمارات، لكن طاقتها الفعلية لا تغطي سوى جزء محدود من التدفقات اليومية، ما يعني أن إغلاقًا جزئيًا أو كليًا للمضيق سيقود إلى قفزات سعرية حادة، حتى لو كانت مؤقتة.
هل النفط مُسعّر بأقل من قيمته؟
المفارقة أن النفط، رغم كل هذه التوترات، لا يزال يُتداول دون قيمته العادلة تاريخيًا. فخام غرب تكساس كان يُسعّر بخصم ملحوظ مقارنة بفترات توتر سابقة، ما يعكس قلقًا عميقًا لدى المستثمرين من تخمة المعروض.
وتقديرات “بلومبرغ إنتليجنس” تشير إلى أن علاوة المخاطر الحالية قد ترتفع فقط بين 10 و15 دولارًا، وليس 25 أو 30 دولارًا كما حدث في صراعات سابقة، ليصل السعر الأقصى إلى نطاق 74–79 دولارًا للبرميل، في حال تفاقم الأزمة دون انقطاع كامل للإمدادات.
فنزويلا… اللاعب الصامت
في الخلفية، تتحرك فنزويلا بهدوء. الدولة التي تمتلك نحو خُمس احتياطي النفط العالمي تعاني حاليًا من صادرات هزيلة لا تتجاوز 423 ألف برميل يوميًا. لكن الرهان الأمريكي — خصوصًا في عهد ترامب — يقوم على إعادة ضخ الاستثمارات وعودة النفط الفنزويلي تدريجيًا للأسواق.
التوقعات تشير إلى قفزة محتملة في الصادرات خلال 18 شهرًا، لتصل إلى 1.1 مليون برميل يوميًا بنهاية 2026، ثم 2 مليون برميل بحلول 2028. هذا وحده كفيل بكبح أي ارتفاعات حادة في الأسعار، حتى مع التوترات الجيوسياسية.
أوبك+… سياسة الانتظار والترقب
في هذا السياق، يبدو قرار “أوبك+” بوقف زيادات الإنتاج خلال الربع الأول قرارًا عقلانيًا، يعكس إدراكًا بأن السوق لا تحتمل مزيدًا من البراميل. فبعد ضخ نحو 2.88 مليون برميل يوميًا خلال 2025، عاد شبح فائض المعروض ليطل برأسه من جديد.
ومن المرجح أن يُبقي التحالف الإنتاج ثابتًا حتى ما بعد منتصف 2026، في انتظار اتضاح الصورة:
هل يتعافى الطلب؟
هل تعود فنزويلا بقوة؟
هل تشتعل إيران أم تُحتوى الأزمة سياسيًا؟
الخلاصة… وماذا يعني ذلك لنا في مصر؟
النفط اليوم ليس مجرد سلعة، بل ترمومتر سياسي واقتصادي. كل دولار زيادة أو نقصان ينعكس على تكلفة النقل، والتضخم، وسلاسل الإمداد، خاصة للدول المستوردة للطاقة مثل مصر.
استقرار الأسعار — ولو نسبيًا — يمنح الاقتصاد المصري مساحة للتنفس، ويخفف الضغط على فاتورة الاستيراد والدعم. لكن أي انفجار مفاجئ في الخليج سيعيد الحسابات من جديد.
بين تهدئة السياسة واستعداد الجيوش، يظل النفط معلقًا بين السماء والأرض… والعالم كله يترقب الشرارة الأولى.

