الذهب يحافظ يستعيد مستوى 5,000 دولار مع ترقّب الأسواق للبيانات أمريكية

تداول الذهب فوق مستوى 5,000 دولار للأونصة في بداية تعاملات الأسبوع، مواصلاً موجة التعافي التي أعقبت واحدة من أكثر الفترات تقلباً في تاريخ سوق المعادن النفيسة منذ عقود. وأسهم تراجع الدولار الأمريكي في دعم أسعار المعدن الأصفر، في وقت حوّل فيه المتعاملون أنظارهم إلى أسبوع مزدحم بالبيانات الاقتصادية الأمريكية التي قد تُعيد رسم توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 1.3% إلى 5,026.04 دولار للأونصة بحلول الساعة 03:33 بتوقيت غرينتش، مواصلاً مكاسب بلغت 4% يوم الجمعة. كما صعدت عقود الذهب الأمريكية الآجلة تسليم أبريل 1.4% إلى 5,046.10 دولار. وكان الدولار عند أدنى مستوى له منذ 4 فبراير، ما جعل الذهب المقوّم بالدولار أقل تكلفة للمشترين من خارج الولايات المتحدة.
ويتركز الاهتمام هذا الأسبوع على تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة، المقرر صدوره الأربعاء، إلى جانب بيانات التضخم في وقت لاحق من الأسبوع، إذ ترى الأسواق أن تلك البيانات مفصلية في تقييم ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي قادراً على استئناف خفض أسعار الفائدة في منتصف 2026. وتُسعر أسواق العقود الآجلة ما لا يقل عن خفضين بواقع ربع نقطة مئوية هذا العام، على أن يكون الخفض الأول في يونيو، وفق توقعات السوق التي نقلتها رويترز.
هبوط عنيف ثم ارتداد سريع
تأتي نغمة الاستقرار النسبي في سعر الذهب مباشر في السوق اليوم بعد انعكاس حاد أواخر يناير أجبر المتعاملين على إعادة تسعير المخاطر في أسواق المعادن الثمينة. كان الذهب قد اندفع إلى مستويات قياسية في أواخر يناير، قبل أن تمحو موجة بيع مفاجئة وعميقة جزءاً كبيراً من مكاسب العام خلال جلسات قليلة. وفي أعقاب ذلك التراجع، برزت المراكز المُمولة بالرافعة المالية كنقطة ضغط رئيسية، مع تداخل تغييرات متطلبات الهامش وقوة الدولار لتكثيف الهبوط.
وفي 2 فبراير، واصل الذهب خسائره مع رفع متطلبات الهامش في بورصة شيكاغو، ما أثر على متداولي العقود الآجلة بالتزامن مع تفاعل السوق مع ترشيح كيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي. وهبط الذهب الفوري 4.8% إلى 4,630.59 دولار للأونصة في تعاملات بعد الظهر بالولايات المتحدة، بعد أن تراجع بنحو 10% في وقت سابق من الجلسة؛ وأشارت رويترز إلى أن المعدن فقد قرابة 900 دولار من ذروته القياسية المسجلة في 29 يناير عند 5,594.82 دولار.
لكن السوق سرعان ما ارتدت في اليوم التالي. ففي 3 فبراير، قفز الذهب الفوري 5.2% إلى 4,906.82 دولار، متجهاً لتسجيل أكبر مكسب يومي منذ 2008 مع دخول مشترين عند المستويات المنخفضة.
وبرغم الارتداد، ظل الأداء السعري متقلباً. ففي 4 فبراير، تراجع الذهب الفوري إلى 4,924.89 دولار مع تحسن الدولار وترقب المستثمرين لبيانات الوظائف الأمريكية، بينما لفتت رويترز إلى الخلفية الجيوسياسية الأوسع — بما في ذلك المحادثات الأمريكية-الإيرانية — كعامل إضافي مؤثر في السوق.
عودة ضعف الدولار إلى الواجهة
عاد الدولار ليكون المحرك الرئيسي للسوق، حيث ربط المستثمرون تراجع العملة الخضراء بتقرير أفاد بأن الجهات التنظيمية الصينية نصحت المؤسسات المالية بالحد من انكشافها على سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما غذّى تداولات "بيع الدولار وشراء الأصول الحقيقية" عبر عدة أسواق.
وساعدت حركة العملة أيضاً في دعم أسهم مرتبطة بالسلع. فقد قفز قطاع المواد الخام في كندا مع صعود الذهب، وارتفعت أسعار النفط على خلفية تجدد التوترات الأمريكية-الإيرانية، في دلالة على أن تقلبات أسواق الفوركس والجغرافيا السياسية باتت تحرك الأسواق معاً لا كل على حدة.
يُعزى جزء من حدة التقلبات إلى تفاعل آليات سوق العقود الآجلة مع القفزة السعرية. إذ رفعت بورصة شيكاغو متطلبات الهامش للذهب والفضة عدة مرات خلال فترة قصيرة، في مسعى للحد من المخاطر أثناء التحركات الحادة. وذكرت رويترز أنه اعتباراً من 6 فبراير، جرى رفع الهوامش الابتدائية وهوامش الصيانة لعقود الذهب COMEX 100 إلى 9% من 8%، فيما رُفعت هوامش عقود الفضة COMEX 5000 إلى 18% من 15%.
كما غيّرت البورصة منهجية احتساب الهوامش في وقت سابق من العام، فمنذ 13 يناير باتت تحسب الهوامش كنسبة من قيمة العقد بدلاً من مبالغ ثابتة بالدولار، ورفعتها ثلاث مرات منذ ذلك التغيير (30 يناير، 2 فبراير، و6 فبراير).
وتفرض هذه المتطلبات الأكثر صرامة ضغوطاً على المتعاملين بالرافعة العالية لإغلاق المراكز بسرعة، وهو ما قد يضخم موجات الهبوط والارتداد عندما تكون الأسواق ضعيفة السيولة أو مزدحمة.
مشتريات البنوك المركزية والطلب الحقيقي يقدمان دعماً
بعيداً عن التدفقات قصيرة الأجل، عززت بيانات حديثة من الاتجاه الصعودي للذهب على المدى الطويل، لا سيما من مشتريات القطاع الرسمي والطلب الاستثماري.
فقد أضاف البنك المركزي الصيني إلى احتياطياته من الذهب للشهر الخامس عشر على التوالي في يناير، لترتفع الحيازات إلى 74.19 مليون أونصة من 74.15 مليون في ديسمبر، بينما زادت قيمة الاحتياطيات إلى 369.58 مليار دولار.
وعلى جانب الطلب، أفاد مجلس الذهب العالمي بأن الطلب العالمي على الذهب بلغ مستوى قياسياً عند 5,002 طن متري في 2025، مع تفوق الاستثمار على المجوهرات. وقفز إجمالي الطلب الاستثماري 84% إلى مستوى قياسي بلغ 2,175 طناً، وسجلت الصناديق المدعومة بالذهب تدفقات داخلة قدرها 801 طن، في حين بلغ الطلب على السبائك والعملات الذهبية أعلى مستوى له في 12 عاماً.
وتُظهر بيانات الاستهلاك في الصين اتجاهات مشابهة، إذ تراجع الاستهلاك الإجمالي للذهب للعام الثاني على التوالي في 2025، لكن الطلب على السبائك والعملات ارتفع 35.14% مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة، بينما انخفض الطلب على المجوهرات بشكل حاد.
تعكس مؤشرات السوق الفعلية هذا التذبذب، فقد ذكرت رويترز أن العلاوات السعرية في الهند تراجعت بأكثر من النصف من أعلى مستوى لها خلال عقد، مع إحجام المشترين بسبب التقلبات، في حين تحسن الطلب في الصين قبيل رأس السنة القمرية، مستفيداً من تصحيحات الأسعار.
إلى أين يتجه الذهب؟
الاختبار المقبل للذهب يتمثل فيما إذا كانت البيانات الأمريكية الواردة ستدفع العوائد الحقيقية والدولار في اتجاه يتعارض مع قناعة السوق المتنامية بقرب خفض أسعار الفائدة، ما يُبقي المخاطر مرتفعة في سوق أظهرت بالفعل قدرتها على التحرك بمئات الدولارات للأونصة في يوم واحد.
في المحصلة، يتحرك سعر الذهب حالياً تحت تأثير قوتين في آن واحد: إشارات كلية قادرة على إعادة تسعير مسار السياسة النقدية الأمريكية، وطلب أعمق من مستثمرين وبنوك مركزية يتعاملون مع المعدن كأصل احتياطي بديل وسط ضبابية أسواق العملات والتوترات الجيوسياسية.

