جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

رغم المنافسة والغلاء

الفانوس المصري.. حكاية نور وتراث روحاني صامد

الديار- هبة رجاء الدين -

رغم التطور والحداثة، يظل الفانوس المصري بشكله التقليدي علامة روحية لا تُخطئها العين ولا تبهت ملامحها على مر الزمان، وقصة قديمة بدأت منذ مئات السنين من وسيلة إضاءة إلى أحد أبرز رموز الاحتفال والتي نسجت علاقة وجدانية خاصة بين المصريين ورمضان، ورغم المنافسة من الأشكال الحديثة المستوردة، ظل متربعاً على عرش القلوب كتراث يحرص الآباء على نقله للأجيال القادمة، وفي شارع تحت الربع بمنطقة الدرب الأحمر، أحد أقدم الشوارع التي تبيع وتصنع الفوانيس منذ عقود من الزمن، التقينا بصناع البهجة من اللذين ورثوا المهنة عن أباءهم، حدثونا عن هذا الرمز الروحي والتحديات التي تواجه صناعته، وكيف واجهوها، وأسر واعية حرصت على ربط أبناءها بالعادات الدينية رغم غلاء الأسعار.

أصالة وغلاء

يقول طارق أبو العدب صاحب أقدم محلات لبيع وتصنيع الفوانيس بالدرب الأحمر، أنه ورث المهنة من والده وجده حيث تعمل الأسرة بهذه المهنة لأكثر من سبعين عام، مشيراً للمكانة الروحية الكبيرة للفانوس لدى المصريين وهو ما يدعم استمرار هذه الصناعة، مؤكداً على حرصهم كصناع تقليديين، على الابتكار في صنع الفانوس مع الإبقاء على شكله التراثي ولكن بلمسات جمالية تميزه عن غيره، مثل تصميمات الاقمشة ثلاثية الأبعاد وطرق التزيين الحديثة.

وأشار لزيادة الأسعار هذا العام بما يقارب العشرون بالمئة مقارنة بالعام الماضي، حيث تتراوح أسعار الفانوس الصاج من 80 جنيه للحجم الصغيرة إلى ما يقارب ثلاثون ألف جنيه للحجم 6 متر، ويبلغ سعر الفانوس بحجم المترين ونص 2500 جنيه، وذلك بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام للتصنيع من زجاج وصفيح وأزير ورصاص، وهو ما نتج عنه تراجع حركة الشراء هذا العام بشكل كبير، وتسبب في حدوث حالة كساد وركود تسيطر على السوق للسنة الثالثة على التوالي.

وأكد أيضاً معتز صاحب ورشة لتصنيع فوانيس الصاج والنحاس منذ أكثر من عشرين عام، أن الفانوس بشكله التقليدي يُعد رمز تراثي لدي المصرين، فهو أهم أدوات التعبير عن روح رمضان في مصر، لذلك حافظ على مكانته عبر الزمن وسيظل بشكله المعروف متربعاً على قلوب المصريين، مؤكداً أن مبيعات الفانوس التقليدي لم تتأثر إطلاقاً بنظيره المستورد والذي يفضله الأطفال فقط لشكله المبتكر وحرص مصنعيه على تطوير شكله كل عام وتزويده بالأغاني التي يحبونها.

فانوس اقتصادي

وكحل لمواجهة غلاء الأسعار يحدثنا سيد غنيم صاحب ورشة تُصنع وتبيع الفوانيس منذ عشر سنوات، عن اتجاهه لتصنيع "فانوس السلك" الاقتصادي والمصنوع من السلك المقوى والقماش واللصق فقط، حيث حظى بإقبال كبير من المواطنين، فيعد بديل جيد للفوانيس الصاج والنحاس باهظة الثمن، والتي يصل سعرها لألاف الجنيهات حسب حجمها، إضافة إلى تميزه بتوافر عنصر الأمان من حيث خفة وزنه وخلوه من أي زجاج يمكن ان يؤذي الأطفال، مؤكداً نفاذ الكمية التي تم صنعها مؤخراً والتي بلغ عددها تقريبا ألف فانوس وقيامهم بصناعة كمية كبيرة أخرى، خاصة من الحجم الصغير حيث تطلبه المطاعم والمقاهي بكثرة ليصنعون منه حبال من الزينة عوضاً عن الزينة التقليدية.

أما محمد مصطفي صانع الفوانيس بالورشة وضح أن تكلفة إنتاج فانوس السلك المنخفضة ساهمت في اعتدال سعره واصفاً إياه بالتجاري، وموضحاً أن ميزة كونه محلي الصنع تتيح للمشترى تخصيص طلبه من حيث تغيير الشكل أو القماش والقدرة على صناعة عدد كبير حسب الطلب المسبق، موضحاً أن أسعار فانوس السلك تتراوح ما بين 15 جنيه للحجم الصغير إلى 450 جنيه لحجم المترين.

ومن جانبه تواجه المواطنة أمل السيد غلاء أسعار الفوانيس من خلال شراء الهيكل السلك من إحدى الورش التي تصنعه وتقوم هي بتزينه بالمنزل بزينة وأنوار بسيطة لتدخل البهجة على أسرتها، حيث تشتري الهيكل الذي يبلغ حجمه متر ونص بـ 200 جنيه فقط، وكذلك هياكل الفوانيس الصغيرة وأشكال النجوم والهلال بمبلغ زهيد.

وعي الأسر المصرية

ويقول مصطفي حسين والذي جاء بصحبه أسرته لشارع تحت الربع في رحلة توعوية وترفيهيه، حيث اكد على حرصه الدائم على أصحاب أطفاله كل عام الي هذا الشارع التراثي لتعزيز انتماءهم وربطهم بالتراث المصري الخاص برمضان من خلال التجول وشراء الفوانيس التقليدية، واصفاً الفانوس الصيني بـ "اللعبة"، مشيراً الي حرصه على الشراء من محلات الجملة حيث تقدم سعر أقل بكثير من الأسعار المبالغ فيها التي يضعها التجار بهامش ربح مرتفع جداً لرغبتهم في تحصيل أرباح تغطي التكلفة وتضمن لهم تجنب أي خسائر متوقعه قبل انتهاء الموسم من حصول كساد وغيره، حيث تضع بعض المحلات هامش ربح قد يتعدى الـ 100% من ثمن الفانوس.

كما تؤكد نرمين علي التي جاءت ايضاً للسوق بصحبة أسرتها الصغيرة، حرصها على شراء الفانوس كل عام للشعور ببهجة رمضان، حيث يذكرها بالآباء والأجداد وتراثهم وعادات رمضان القديمة والاحتفال وتعليق الزينة، مشيرة لحرصها على تعريف طفلتها الصغيرة على هذا الإرث الروحاني.

وكلمة فانوس في الأصل هي كلمة إغريقية وتعنى أداة للإضاءة، ويرجع الفانوس المصري للعصر الفاطمي حوالي سنه 972 ميلادي، حيث تقول إحدى الروايات أن المصريين كانوا قد استقبلوا المعز لدين الله الفاطمي مرحبين به بالفوانيس والمصابيح عند دخوله القاهرة قادماً من المغرب في رمضان ليلاً ليضيئوا له الطريق احتفالا بقدومه، لتتحول بعدها الفوانيس لطقس رمضاني توارثته الأجيال.