انسحاب أمريكي مفاجئ من سوريا.. هل تتجه البوصلة نحو إيران؟

أعلنت مصادر أمريكية عن نية الولايات المتحدة سحب جميع قواتها المتبقية في سوريا، وسط توترات متزايدة مع إيران في المنطقة، وذلك في خطوة مفاجئة أثارت اهتمام المراقبين العسكريين والدبلوماسيين على حد سواء.
هذا الإعلان يأتي في وقت حساس يشهد تصاعد التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وطهران، بينما يسعى كل طرف لتعزيز مواقع نفوذه في الشرق الأوسط، ما يفتح الباب لتساؤلات حول الأهداف المستقبلية للولايات المتحدة بعد الانسحاب من سوريا، وإمكانية إعادة انتشار قواتها لمواجهة طهران مباشرة.
خلفية الوضع العسكري والدبلوماسي
منذ عام 2014، تدخلت الولايات المتحدة في سوريا والعراق ضمن إطار التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش الإرهابي»، بعد سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من الأراضي في كلا البلدين.
وأسفرت هذه العمليات عن دحر «داعش» من معاقله الرئيسية بالعراق عام 2017، وفي سوريا عام 2019، لتظل القوات الأمريكية متواجدة في مواقع محددة بهدف دعم حلفائها المحليين وتأمين مناطق نفوذ استراتيجية.
وعلى مدار السنوات الماضية، شكلت قاعدة التنف جنوب شرق سوريا نقطة محورية للوجود الأمريكي، كونها تقع على مثلث الحدود السورية-العراقية-الأردنية، وتُعد موقعًا استراتيجيًا للتحكم في تحركات المليشيات المدعومة من إيران.
وقبل نحو أسبوع، استلم الجيش السوري السيطرة الكاملة على قاعدة التنف، في خطوة وصفها مراقبون بأنها مؤشر على تقليص الدور العسكري الأمريكي المباشر في سوريا.
تفاصيل الانسحاب الأمريكي
وفقًا لتقارير صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن الولايات المتحدة تعتزم سحب نحو 1000 جندي من مواقعهم المتبقية في سوريا خلال الشهرين المقبلين.
وأوضح المسؤولون الأمريكيون، الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم، أن هذا الانسحاب لا يرتبط بنشر قوات إضافية في المنطقة تحسبًا لهجوم محتمل على إيران، مؤكدين أن القرار جاء بعد تقييم الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب بأن استمرار الوجود العسكري في سوريا لم يعد ضروريًا.
وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، حيث عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الخليج العربي وشرق البحر المتوسط، في ظل تحركات إيرانية مثيرة للقلق على الحدود السورية والعراقية.
ويشير محللون إلى أن الانسحاب من سوريا قد يسمح للولايات المتحدة بإعادة تموضع قواتها بشكل أكثر مرونة لمواجهة أي تهديدات إيرانية مباشرة، أو لتكثيف الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على طهران.
التداعيات الإقليمية والدولية
الانسحاب الأمريكي من سوريا يفتح المجال أمام صراعات نفوذ جديدة، حيث يسعى كل من النظام السوري وحلفاؤه الإقليميين، لا سيما إيران وروسيا، لتعزيز مواقعهم. كما قد يشجع هذا الانسحاب على تحرك فصائل محلية لاستعادة مناطق كانت تحت حماية القوات الأمريكية.
من الناحية الدولية، يمثل الانسحاب رسالة مزدوجة: من جهة يؤكد التزام واشنطن بإعادة تقييم تدخلاتها العسكرية الخارجية، ومن جهة أخرى يترك مجالًا للأسئلة حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، خاصة مع وجود إيران كقوة مؤثرة في المنطقة.
سحب الولايات المتحدة لقواتها من سوريا يعكس تحولًا في استراتيجيتها العسكرية في الشرق الأوسط، لكنه يأتي في ظل بيئة متوترة ومعقدة تتسم بالتنافس مع إيران، والصراعات الإقليمية المحتدمة، والتحديات الأمنية على الحدود السورية والعراقية.
وهذا الانسحاب قد يشكل بداية لإعادة ترتيب التحالفات والنفوذ في المنطقة، مع بقاء السؤال الكبير حول الخطوة التالية لواشنطن تجاه إيران ودورها في ضمان استقرار المنطقة بشكل عام.

