جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

بماذا اختص الله شهر رمضان؟ علي جمعة يوضح

الديار -

كتب الدكتور علي جمعة، مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف منشورا جديدا عبر صفحته الرسمية على فيس بوك: ها هو شهرُ رمضان قد بدأ — أعاده الله على الأمة الإسلامية بالخير والبركات، ورزقنا الله حسنَ استقباله واغتنامه — بدأ هذا الشهرُ الكريم الذي اختصه الله بكثيرٍ من الخصال؛

بماذا اختص الله شهر رمضان

■ أُولى تلك الخصال: نزولُ القرآن الكريم فيه. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: 3]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1].

وهناك عدةُ تفسيراتٍ في معنى نزول القرآن في شهر رمضان، في ليلة القدر:

● التفسير الأول: أن الله أنزل القرآن جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا. واستند هذا التفسير إلى ما رُوي عن النبي ﷺ: «أُنزل القرآنُ في ليلةِ القَدْرِ جملةً واحدةً إلى سماءِ الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضَه في إثرِ بعض» [الحاكم في المستدرك، والبيهقي في سننه].

وبما رُوي عن النبي ﷺ: «أُنزل القرآنُ في ليلةٍ واحدةٍ إلى السماءِ الدنيا ليلةَ القَدْرِ، ثم أُنزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33]، و﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: 106]» [النسائي، والحاكم في المستدرك].

ولذا قال القرطبي: «ولا خلاف أن القرآن أُنزل من اللوح المحفوظ ليلةَ القدر — على ما بيَّنَّاه — جملةً واحدةً، ووُضع في بيت العزة في سماءِ الدنيا، ثم كان جبريلُ ﷺ ينزل به نجمًا نجمًا في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة» [تفسير القرطبي 2/297].

● التفسير الثاني: أنه نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلةِ قدر، أو ثلاثٍ وعشرين، أو خمسٍ وعشرين — حسب الاختلافات في مدة مكث النبي ﷺ بمكة بعد البعثة — في كل ليلةِ قدرٍ ينزل ما يقدِّر الله إنزالَه في تلك السنة، ثم نزل بعد ذلك منجَّمًا في جميع السنة. وقد حكى الفخر الرازي هذا القول، وتوقف في الأخذ به: هل هو أولى، أو القولُ الأول؟

● التفسير الثالث: أنه ابتُدِئ نزولُه في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجَّمًا في أوقاتٍ مختلفة. وهذا القول مرويٌّ عن الشعبي.

● التفسير الرابع: أنه أُنزل من اللوح المحفوظ جملةً واحدةً، وأن الحفظة نجَّمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجَّمه على النبي ﷺ في عشرين سنة. وهذا القول غريب.

والمعتمد أن جبريل كان يعارضه في رمضان بما ينزل به عليه طولَ السنة، وهو مرويٌّ عن ابن عباس، وقد حكاه الماوردي.

على كل حال؛ فإن رمضان شهرُ القرآن، وهذه أهم خصائصه:

على المسلم أن يخصَّ رمضان بالإكثار من تلاوة القرآن؛ كما أن ربَّه خصَّه بإنزال القرآن فيه، وكما كان حالُ رسولِه الكريم ﷺ؛ فقد صح عن النبي ﷺ أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل عام مرة، وكان ذلك في شهر رمضان، وقد شعر النبي ﷺ بقرب أجله في العام الأخير؛ لأن جبريل قد عارضه القرآن مرتين.

ولذا كان السلف الصالح والعلماء يكثرون من مدارسة القرآن وتلاوته في شهر رمضان؛ فكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أولَ النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس — أي ارتفعت — نامت.

وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن. وكان النخعي يختم في كل ثلاث ليالٍ في العشرين الأول من رمضان، وفي العشر الأواخر يختم في ليلتين سوى الصلاة.

وكان لأبي حنيفة ستون ختمةً في رمضان. وكان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن في المصحف. وكان للإمام الشافعي ختمتان في كل يوم سوى الصلاة.

فلعل هذه الأخبار تحفِّز المسلمَ وترغِّبه في الإقبال على القرآن الكريم، فيتلوه في هذا الشهر العظيم. وينبغي أن يحرص المسلم على ختم القرآن على الأقل مرةً واحدةً في رمضان