أحمد عبد الحليم يكتب : «رأس الأفعى».. حين تفضح الدراما ”ثعلب” الإرهاب

في وقتٍ بات فيه الوعي المجتمعي حائط الصدّ الأول ضد الاختراق الفكري، ومع تنامي التساؤلات حول جدوى الدراما في تقويض الأيديولوجيات المتطرفة، يبرز مسلسل رأس الأفعى كوثيقة بصرية بالغة الأهمية. العمل الذي عُرض لأول مرة في رمضان 2023 ولمدة 15 حلقة، لم يكتفِ بالمواجهة السطحية أو الإدانة المباشرة، بل اختار المسار الأصعب؛ مسار تفكيك البنية الداخلية للتنظيمات السرية، وتشريح عقلها المُدبّر من الداخل، كاشفًا كيف تُدار «هندسة الفوضى» تحت عباءة الزهد والتقوى.
لم يكن المسلسل عملًا دراميًا عابرًا أو ردّ فعلٍ آني، بل جاء أقرب إلى مِشْرط جراح غاص في واحدة من أخطر الحقب التي مرّت بها مصر الحديثة، مسلطًا الضوء على مفهوم «الرجل الخفي»؛ ذاك الذي لا يظهر في الواجهة، لكنه يُحرك الخيوط من خلف الستار. وبأسلوب بصري مدروس، نجح العمل في تحويل صراع سياسي معقّد إلى مادة درامية مشوقة، خاطب بها وعي المواطن البسيط دون تفريط في عمق الرسالة، واضعًا المشاهد أمام مسئوليته في فهم ما جرى داخل الغرف المغلقة، لا الاكتفاء بتلقي نتائجه.
سيكولوجية «الدم البارد» والأداء المتفرد
في قلب هذا البناء الدرامي، جاء تجسيد شخصية محمود عزت بوصفه نموذجًا لـ«العقل التنظيمي البارد»، لا باعتباره شريرًا نمطيًا أو شخصية كاريكاتورية، بل عقلية إدارية تُجيد التخفي، وتُحسن إدارة الدم باسم «الفكرة». وقد تجلّت عبقرية الأداء المخربة في مشاهد بعينها، أبرزها ظهوره وهو يُلقي تعليماته بالتصعيد المسلح بنبرة خفيضة وهادئة تمامًا، بينما تلمع عيناه ببرود لا يبالي بحجم الدماء التي ستُسفك.
هذا التباين الصادم بين وقار المظهر وقبح القرار أسقط هالة القداسة الزائفة التي طالما أحاطت بقيادات التنظيم، ونجح في تفكيك الصورة الذهنية التي رسختها خطاباتهم عن «الزهد» و«التقوى». وهي معالجة تختلف جذريًا عن أعمال سابقة قدّمت المتطرف في صورة المختل المهتز نفسيًا، بينما نحن هنا أمام خطر ذكي، منظم، ومخطط محترف، يدير العنف ببرود الموظف لا بانفعال القاتل.
و أجمع بعض النقاد، في آرائهم على أن المسلسل يمثل «قفزة نوعية في قدرة الدراما المصرية على مزج الواقع مع الأداء الفني، دون أن يبتعد عن عنصر التشويق»، مؤكدين أن هذا الأسلوب يمنح العمل قيمة تتجاوز الترفيه، ليصبح وثيقة درامية تخاطب العقل والوجدان معًا.
الدراما كمؤرخ شعبي ووثيقة حيّة
اعتمدت الدراما المصرية في هذا العمل على أدوات فنية دقيقة، من إضاءة خافتة وزوايا تصوير خانقة، لترسيخ صورة «رجل الظل» بوصفه كيانًا غامضًا يتحرك في المساحات المعتمة، في مقابل حضور الدولة ككيان مرئي ومكشوف، يخضع للمساءلة والرقابة. هذا التضاد البصري لم يكن ترفًا جماليًا، بل أداة سردية واعية تخدم المعنى.
وما منح العمل صكّ المصداقية الأكبر هو تقاطعه الواضح مع الواقع؛ إذ جاءت الحوارات الدرامية متطابقة بشكل لافت مع ما ورد في مذكرات المنشقين عن التنظيم، وما كشفت عنه اعترافات عزت الحقيقية لاحقًا (وفق التحقيقات المنشورة من وزارة الداخلية المصرية، 2022). هنا لعبت الدراما دور «المؤرخ الشعبي»، فمزجت بين الوقائع الموثقة والسياق الفني، وقدّمت خريطة ذهنية مبسطة لبنية التنظيم، تساعد المشاهد على إعادة التفكير في مفاهيم مثل الطاعة والولاء، بعيدًا عن الخطاب التعبوي العاطفي.
إرث مسموم ومعركة لم تنتهِ
ورغم رحيل محمود عزت جسديًا خلف قضبان السجن في أواخر عام 2022، فإن أثره لم ينتهِ بالكامل؛ فقد ترك وراءه إرثًا فكريًا وتنظيميًا تمثل في خلايا نائمة وعقول جرى غسلها لسنوات على منهج «القطبية» المتشددة. لقد كانت وفاته نهاية لمصدر الأوامر، لكنها لم تكن نهاية للسموم التي بُثّت في العقول، وهو ما جعل الدولة والمجتمع يخوضان معركة موازية، عنوانها الحرب الفكرية طويلة النفس.
وهنا تتجلى أهمية القوة الناعمة، التي تخاطب الوجدان بقدر ما تخاطب العقل، وتعيد تذكير المجتمع بـ«فاتورة الدم» التي دُفعت ثمنًا لهذا الفكر. فبدلًا من تحويل الغضب إلى طاقة هدامة، يُعاد توجيهه ليصبح حائط صد وطنيًا مستدامًا في مواجهة أي محاولات لإعادة إنتاج الخطاب نفسه بأقنعة جديدة.
رؤية نقدية بناءة
ورغم هذا النجاح اللافت، لا يخلو العمل من ملاحظات نقدية تستهدف الارتقاء ببوصلة الدراما الوطنية. فقد مال الإيقاع في بعض الفترات إلى الرتابة نتيجة الاستغراق الطويل في تفاصيل الغرف المغلقة، وهو أمر يمكن تفسيره بطبيعة الشخصية المحورية الانعزالية، لكنه كان يحتاج إلى تنويع إيقاعي أكبر للحفاظ على انتباه المشاهد.
كما أن الإفراط في استخدام الفلاتر البصرية القاتمة، رغم خدمته لمناخ «الظلام» المحيط بالتنظيم، أدى في بعض المشاهد إلى إرهاق بصري غير ضروري. وكان من الأنسب تنويع الدرجات اللونية لإبراز التضاد بين العلن والسر، دون الإخلال بوضوح الكادر الدرامي.
وعلى مستوى رسم الشخصيات، وقعت بعض الأدوار الثانوية في فخ النمطية؛ إذ ظهر أتباع التنظيم كأدوات صمّاء تُردد شعارات محفوظة، دون تعميق كافٍ للصراعات النفسية التي تعصف بالمغرر بهم. وكان من شأن إضاءة هذه الصراعات أن يمنح العمل بعدًا إنسانيًا أكثر تأثيرًا، ويكشف كيف تتحول القناعة إلى قيد.
كذلك، فإن تصوير الجانب المقابل بمثالية شبه مطلقة قد يُضعف أحيانًا من واقعية الصراع البشري؛ فالبطل يكون أكثر إقناعًا حين يظهر بتحدياته وإخفاقاته التي يتجاوزها، لا كرمز منزّه عن الخطأ. وهي ملاحظات تقنية لا تنتقص من قيمة العمل، بل تطمح به إلى اكتمال فني أكبر.
مدرسة درامية جديدة أم لحظة استثنائية؟
إن القيمة الحقيقية لمسلسل «رأس الأفعى» لا تكمن في كونه يؤرخ لنهاية حقبة أو سقوط قيادي، بل في قدرته على تقديم «المصل» الواقي من عدوى الأفكار المسمومة. فهو يضع حجر الأساس لمدرسة درامية جديدة، يمكن توصيف ملامحها بوضوح: مدرسة تُراهن على الجرأة في الاقتراب من المناطق المحظورة، وتستند إلى التوثيق لا التخمين، وتفكك الخطاب الفكري للتنظيمات من الداخل بدل الاكتفاء بإدانة الأشخاص أو شيطنتهم.
هي مدرسة تتعامل مع التطرف كمنظومة عقلية واجتماعية متكاملة، لا كحالات فردية معزولة، وهو ما يمنحها قيمة معرفية تتجاوز اللحظة الدرامية الآنية، ويجعلها شريكًا في معركة الوعي لا مجرد ناقل لحكاية.
المعركة مع الإرهاب لا تنتهي بسقوط شخوصه خلف القضبان أو رحيلهم عن عالمنا، بل تنتهي حين يفقد فكرهم قدرته على الجذب والإغواء. لقد وضع المسلسل حجر الأساس لمسار تنويري شجاع، يؤمن بأن النور هو العدو الأول لخفافيش الظلام.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تواصل الدراما المصرية هذا النهج التنويري الجريء، أم تترك فراغًا يعود من خلاله «رأس الأفعى» بأقنعة جديدة؟

