جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

ترامب .. من طهران إلى هافانا: خرائط النفوذ والنفط في الاستراتيجية الأمريكية

الديار - عماد الدين اصلان -

تطلق التصريحات في السياسة الدولية ولا تُقال الكلمات اعتباطًا من قادة الدول الكبرى دون أن تحمل بين سطورها رسائل متعددة الاتجاهات. ولذلك فإن ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن نية الولايات المتحدة إنهاء عمليتها العسكرية ضد إيران أولًا، ثم الانتقال إلى وضع خطة عمل جديدة تجاه كوبا، ليس مجرد تصريح عابر، بل إشارة واضحة إلى ملامح مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ الأمريكي في محيطات جيوسياسية مختلفة.

ترتيب الأولويات… واشنطن تُعيد رسم الخريطة

خلال فعالية في البيت الأبيض، وجّه ترامب حديثه إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، مشيدًا بأدائه، خاصة فيما يتعلق بالملف الكوبي، وهو أمر يحمل دلالات رمزية وسياسية، لا سيما وأن روبيو ينحدر من أصول كوبية.

قال ترامب بوضوح إن واشنطن تريد أولًا إنهاء ما وصفه بالعملية العسكرية ضد إيران، قبل الانتقال إلى ملف كوبا. وهنا تظهر بوضوح سياسة “إدارة الملفات على مراحل” التي تتبعها الإدارات الأمريكية عادة عند التعامل مع مناطق التوتر.

فالولايات المتحدة تدرك أن فتح عدة جبهات في وقت واحد قد يرهق قدرتها العسكرية والاقتصادية، ولذلك تسعى إلى تصفية الملفات تدريجيًا، أو على الأقل تثبيت التوازن فيها، قبل الانتقال إلى ساحات أخرى.

كوبا… جزيرة صغيرة في قلب الحسابات الكبرى

منذ انتصار الثورة الكوبية عام 1959، ظلت كوبا تمثل عقدة استراتيجية في الوعي الأمريكي. فهي تقع على بعد أقل من 150 كيلومترًا من السواحل الأمريكية، وتاريخها السياسي ارتبط بالصراع بين واشنطن وموسكو خلال الحرب الباردة.

واليوم، عندما يتحدث ترامب عن كوبا باعتبارها الملف التالي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالسياسة، بل أيضًا بالاقتصاد والنفوذ الإقليمي. فالولايات المتحدة تنظر إلى الكاريبي باعتباره حديقتها الخلفية، وأي تغير سياسي في تلك المنطقة يُنظر إليه في واشنطن باعتباره مسألة أمن قومي.

النفط… كلمة السر في أمريكا اللاتينية

لم يقتصر حديث ترامب على كوبا فقط، بل امتد إلى فنزويلا، حيث عبّر عن رضاه عن الوضع هناك، مشيرًا إلى التعاون القائم في مجال النفط، ومؤكدًا أن الولايات المتحدة تحصل على مئات الملايين من براميل النفط الفنزويلي لتكريرها في مدن أمريكية مثل هيوستن.

كما أثنى ترامب على الرئيسة المنتخبة ديلسي رودريغيز، معتبرًا أن إدارتها تتعاون مع واشنطن بشكل جيد.

وهنا تظهر الحقيقة التي يعرفها كل محلل اقتصادي:
النفط هو المحرك الخفي لكثير من الصراعات والتحالفات الدولية.

فحين تتحدث واشنطن عن الاستقرار في فنزويلا، فهي في الواقع تتحدث عن استقرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، وخاصة إلى المصافي الأمريكية.

ما بين طهران وهافانا… رسالة إلى العالم

تقرير نشرته مجلة The Atlantic أشار إلى أن القيادة الأمريكية تدرس بالفعل احتمال تنفيذ عملية عسكرية ضد كوبا، بعد ما تعتبره نجاحًا في الضغط على إيران وفنزويلا.

وبحسب مصادر المجلة، فإن إدارة ترامب تشعر بأنها تتحرك وفق خطة واضحة وأن الأحداث تسير في الاتجاه الذي تريده واشنطن.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل العالم مقبل على مرحلة جديدة من سياسة العصا الأمريكية؟

قراءة مصرية للمشهد

بالنسبة للمواطن المصري، قد تبدو هذه التطورات بعيدة جغرافيًا، لكنها في الحقيقة ليست بعيدة اقتصاديًا.

فأي توتر في الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية ينعكس مباشرة على:

أسعار النفط

حركة التجارة العالمية

أسواق المال

تكلفة الشحن والنقل

وكل ذلك يصل في النهاية إلى فاتورة الطاقة والسلع داخل الاقتصاد المصري.

ومن هنا، فإن متابعة هذه التطورات ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة اقتصادية لكل دولة تسعى إلى حماية استقرارها المالي.

كلمة أخيرة

العالم اليوم يعيش مرحلة إعادة توزيع النفوذ الدولي.
والولايات المتحدة، بقيادة ترامب، تبدو مصممة على استعادة موقعها التقليدي كقوة مهيمنة في مناطق تعتبرها حيوية لمصالحها.

لكن التاريخ يعلمنا أن القوة وحدها لا تصنع الاستقرار، وأن إدارة الصراعات تحتاج أحيانًا إلى الحكمة بقدر ما تحتاج إلى النفوذ.