جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

الاستلام ”المؤجل” في المدن الجديدة.. صراع بين وعود المطورين وصدمة الواقع

الديار- هبة رجاء الدين -

شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في شكاوى حاجزي الوحدات العقارية خاصة في المدن الجديدة، منددة بتأخر مواعيد التسليم، مع إلزام المشترون الصارم بسداد الأقساط دون تأخير، وبالعقود التي يراها كثيرون منحازة لصالح المطور، تمنحه مساحات واسعة من المرونة، بينما تُحمّل المشتري كامل الالتزامات، ليقف المواطن الذي دفع "تحويشة العمر" منتظراً جدراناً لم تكتمل.

ذلك وسط توسع عمراني متسارع، ومشروعات تُطرح بوتيرة متلاحقة، حيث يسود نموذج البيع المسبق كآلية أساسية تتيح للمطورين التمويل المبكر ناقلاً جانب كبير من المخاطر إلى المشتري، خاصة في ظل غياب آليات صارمة تضمن توجيه هذه الأموال إلى التنفيذ الفعلي.

وهنا يبرز السؤال الملح، كيف يمكن ضبط إيقاع السوق العقاري، وحماية المشتري الذي يعد الطرف الأضعف في هذه المعادلة؟، فاتحاً الباب أمام ضرورة طرح روشتة إنقاذ حقيقية، حاولنا استيضاح معالمها من خلال أراء بعض مختصي الشأن العقاري بمصر، تبدأ بتحليل العوامل المسببة لهذه التعثرات، مروراً بالأليات التي يمكن تفعليها لضمان حقوق المشتري ونصائح يجب أن يضعها في الحسبان لتجنب هذا النوع من الأزمات.

تسعير خاطئ

يرى محمد عامر الخبير والمستشار العقاري، أن قيام بعض المطورين بالبيع بتسعير أقل من السعر المنطقي بهدف تحقيق مبيعات كبيرة، يضعهم في مشكلة عند تنفيذ المشروعات خاصة في ظل ارتفاع الأسعار المرتبط بالظروف الاقتصادية المختلفة، فيضطروا للجوء لحلول بديلة كالدخول في مشروعات أخرى أو اندماجات وشركات حتى يتم تغطية العجز، مما يزيد من مدة التنفيذ، مؤكداً أن الجهات المختصة كشركة العاصمة الإدارية تقدم تسهيلات للمطورين المتعثرين حتى يتسنى لهم إنجاز المشروعات انطلاقا من حرص الدولة على تنمية وتعمير المدن الجديدة.

ونصح المشترين أن يختاروا الشركات ذات العباءة المالية القوية والتي لها سابقة أعمال ومشاريع تم تنفيذها دون تأخر في التسليم، وألا ينجرفوا وراء الأسعار المنخفضة ويختاروا المشروعات ذات أسعار التكلفة المنطقية لأن ذلك يعد مؤشر جيد على سير خطة العمل دون حدوث تأخيرات.

وعن بنود العقود التي يصفها بعض المشترون بالمجحفة، يشير عامر إلى تشابها عند معظم الشركات المطورة، وأنها غالباً ما تصب في صالح المطور وتلقي جل الالتزامات على عاتق المشتري، داعياً لفهم الإجراءات القانونية في حالات التأخيرات واللجوء لتفعليها من خلال أجهزة الدولة المختلفة.

وأكد عامر وقوف الجهات المختصة خاصة في المدن الجديدة، بجانب العميل وعملها الدائم على مراقبة المطورين وتقديم إنذارات للمتعثرين ومهل للتسليم، وسحب الأراضي من بعض الشركات غير الجادة ومنحها لمطورين آخرين لاستكمال ما تم من إنشاءات.

وكأحد الحلول يقترح عامر أن يتم عمل جدول زمني خاص بتنفيذ وتسليم المشروعات ما بين الدولة والمطورين العقاريين، مع وجود رقابة مشددة على تنفيذه وربط دفع الأقساط بوتيرة سير العمل، وحبس الأقساط في حال الإخلال، وذلك من خلال حساب بنكي مشترك تكون الدولة رقيبة عليه بالشكل الذي يلزم المطور بالتنفيذ وفق الخطة الموضوعة، وعلى الجانب الأخر يلزم المشتري بسداد الأقساط في مواعيدها.

التمويل العقاري

ومن جانبها أرجعت د. عبير عصام عضو مجلس إدارة جمعية مستثمري السادس من أكتوبر وعضو مجلس إدارة شعبة الاستثمار العقاري باتحاد الغرف التجارية، تعثر بعض المطورين في تسليم المشروعات في المواعيد المحددة الى نقص السيولة المالية لديهم، داعية لرفع نسبة مقدم التعاقد لتوفير سيولة مالية منطقية للمطور تمكنه من الإيفاء بوعود التسليم، خاصة عندما تطرأ أمور عاجلة تتعلق بتغيرات اقتصادية أو سياسية، وهو ما ينعكس على الفور على أسعار مواد البناء والتشغيل وغيرها.

وأكدت على ضرورة توفير البنك المركزي التسهيلات اللازمة وتيسير الاقتراض سواء للشركات المطورة أو للمشترين، وعدم قصر التمويل العقاري على الشقق مكتملة الإنشاء فقط ليشمل الوحدات تحت التنفيذ أيضاً، مع الحرص على توفير المرافق الأساسية للمشروعات.

ووضعت خطة تحوطية وحلول واقعية يمكن أن تحد من تفاقم هذه الظاهرة، مثل رفع نسبة مقدم التعاقد على الوحدات لتوفير سيولة للمطور، وإطالة عدد سنوات التنفيذ ومدة التسليم، إضافة إلى تفعيل التمويل العقاري والإقراض ليشمل عدد أكبر من الأنماط العقارية، مع وضع خطط وتشريعات تنظم هذا الأمر من قبل الجهات الرقابية، مشيرة إلى أن المؤسسات والجهات المشرفة على القطاع العقاري مثل جمعيات المطورين دائماً ما تقدم حلول وتوصيات مقترحة لتفادي هذه الأزمات ويتم العمل بها.

كما شددت د. عبير على ضرورة متابعة المشتري لتطورات سير العمل اول بأول مع المطور والوقوف على أحدث التطورات دائماً، ومن الأفضل أن يتعاقد على المشروعات التي بها نسبة إنشاءات تبلغ 50% على الأقل على أرض الواقع، مع أهمية الاطلاع على سابقة أعمال الشركة قبل التعاقد.

تفعيل الدور الرقابي

ومن جانبه أكد د. سعيد حسانين استشاري التخطيط العمراني، أنه توجد العديد من الآليات التي يمكن أن تقلل من تأخر تنفيذ المشروعات في المدن الجديدة، منها ما يجب أن تتبعه الدولة والجهات المنوطة، تشمل توفير الاراضي وتسهيل إجراءات التراخيص، والتأكد من قدرة المطور العقاري على تنفيذ هذه المشروعات، وأن تكون لديه مصادر تمويل مختلفة تمكنه من التنفيذ في الوقت المتفق عليه، كما يجب ان تقوم الدولة بتنظيم وتحديد أطر العلاقة بين المطور العقاري والعميل، خاصه فيما يتعلق بتوقيت التسليم، وتوضيح الإجراءات التي يمكن أن تُتخذ عند تأخر تسليم الوحدات.

وأضاف أنه على الدولة أن تسلم الأراضي والمرافق الرئيسية التي تخدم المشروع في المواعيد المحددة دون أي تأخير، وان تتذلل العقبات التي من الممكن أن تواجه المطور العقاري مثل الإجراءات الإدارية كإصدار التراخيص والتصريحات المختلفة، مروراً بمراحل تنفيذ المشروع وصولاً لتسليم الوحدات إلى العملاء المختلفين.

وشدد على أهمية التأكد من القدرة المالية والفنية للمطور العقاري والتعرف على إمكانيات الهيكل الوظيفي والإداري له قبل منحه الأراضي، مع استبعاد الشركات سيئة السمعة أو التي ثبت عدم جديتها أو عدم قدرتها على القيام بتنفيذ المشاريع.

وأكد أنه يجب ان تقوم الجهات المشرفة بالتعرف على المشكلات التي تواجه الشركات الغير ملتزمة بتنفيذ المشروعات وأن تذلل لها العقبات التي تواجهها وتضع لها حلول مختلفة، مع تيسير منح القروض لهذه الشركات.

وقال: "من وجهة نظري يجب فرض نموذج تعاقد موحد من قبل الدولة يحمي كل من المشتري والشركة المطورة، كما يجب أن يتمتع بنوع من المرونة القانونية دون أي مساس بحقوق المشتري، وأن يكون لدي الدولة جهاز لمتابعه التنفيذ ومواعيد التسليم، ومراقبة التعاقدات بين المطور والمشتري ضمن أطر تشريعية تحفظ حق المشتري من الإجراءات والشروط التعسفية، مع إيجاد قنوات اتصال بين المتعاقدين والجهات المشرفة على المشروعات العقارية من قبل الدولة".

وأضاف:" أنصح المشترين قبل التعاقد أن يتأكدوا أولاً من صحة المستندات الخاصة بالأرض التي يتم عمل المشروع عليها، والسؤال عن سمعة الجهة المطورة وخبرتها السابقة وقدراتها الفنية والمالية، والاطلاع على المستندات الخاصة بالإجراءات الإدارية والقانونية كالتراخيص والقرارات الوزارية أو قرارات التقسيم وأيضا الجدوى الاقتصادية للمشروع، وتحديد الجهات الرسمية التي يمكن أن يتم اللجوء إليها عند حدوث أي خلل في خطة التسليم.

مع التوصية بأهمية ألا يقوم المطور بطرح المشروع للتعاقد إلا بعد تنفيذ جزء واضح منه على أرض الواقع، ناصحاً المشترين بالامتناع تماماً عن التعاقد على المشروعات لم تبدأ بها أعمال إنشائية جادة ملموسة.