الثامنة بتوقيت واشنطن الثالثة فجرا في القدس.. هل تدار حرب إيران بسردية نبوءات آخر الزمان؟

جاء الموعد المحدد لانتهاء المهلة التي أعلن عنها الرئيس ترامب مساء الثلاثاء، بشأن إيران والتي حملت دلالات كثيرة ، و ذلك في لحظة تتقاطع زمنيا مع مناسبات دينية يهودية بالغة الحساسية، وهو ما زاد من حالة الجدل حول دلالات التوقيت، خاصة مع تزامنه مع اليوم السابع من عيد الفصح اليهودي، الذي يُعد من أبرز المناسبات في التقويم الديني العبري.
كما أن الساعة الثامنة مساءً بتوقيت واشنطن تقابل الثالثة فجراً بتوقيت القدس، وهو توقيت ارتبط في بعض التفسيرات الدينية بما ترويه نصوص مثل “الزوهار” وبعض الأسفار القديمة، حول لحظة انشقاق البحر أمام النبي موسى وبني إسرائيل في توقيت الفجر تحديدا، والتي توصف في الأدبيات الدينية بأنها “ليلة المعجزات”.
هذا التداخل الزمني فتح باب التساؤلات حول ما إذا كان اختيار هذا التوقيت يحمل أبعادا رمزية مقصودة، أم أنه مجرد تزامن عابر بين اعتبارات السياسة وإيقاع المناسبات الدينية، خصوصا أن قرارات البيت الأبيض عادة ما تُبنى على حسابات استراتيجية وعسكرية دقيقة، لا على الرموز الدينية.
خطابات نتنياهو
غير أن الرمزية الدينية والثقافية باتت حاضرة بشكل لافت في الخطاب السياسي خلال الفترات الأخيرة، خاصة في سياق التصعيد المتصاعد مع إيران، ومع تزايد استخدام السرديات التاريخية والدينية في التعبئة السياسية.
وفي هذا الإطار، برزت خطابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوصفها أحد أبرز الأمثلة على توظيف الرموز الدينية والتاريخية في الخطاب السياسي، حيث سعى إلى تأطير المواجهة مع إيران ضمن سياق تاريخي ممتد، يستدعي أحداثا من التراث اليهودي القديم.
فقد ألقى نتنياهو خطابا متلفزا من مقر وزارة الدفاع في تل أبيب، عقب بدء عملية عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة أُطلق عليها اسم “زئير الأسد”، واستهدفت وفق تصريحات إسرائيلية رسمية مواقع استراتيجية داخل إيران.
عيد البوريم و قصة الوزير هامان الفارسي
وقال نتنياهو مخاطبا الإسرائيليين:
“إخوتي وأخواتي، بعد يومين سنحتفل بعيد بوريم. قبل 2500 عام في بلاد فارس القديمة قام عدو ضدنا بهدف تدمير شعبنا بالكامل، لكن مردخاي اليهودي والملكة أستير أنقذا شعبنا بشجاعتهما”.
وأضاف: “في ذلك الوقت سقط هامان الشرير، واليوم أيضًا سيسقط النظام الشرير”.
ويُعد عيد بوريم من أبرز الأعياد اليهودية المرتبطة بسردية دينية تعود إلى سفر أستير في العهد القديم، والذي يروي قصة مؤامرة الوزير هامان لإبادة اليهود في الإمبراطورية الفارسية القديمة، قبل أن تنجح الملكة أستير وابن عمها مردخاي في إحباط المخطط وإنقاذ الشعب اليهودي.
ويتميز عيد البوريم بطقوس دينية وشعبية تشمل قراءة “سفر أستير” في المعابد، وتبادل الهدايا والحلوى المعروفة باسم “آذان هامان”، إلى جانب أجواء احتفالية تشمل التنكر والمواكب المدرسية والتبرعات للفقراء.
وفي خضم هذا الخطاب، أعاد نتنياهو ربط الصراع الحالي مع إيران بما وصفه بالعداء التاريخي الممتد منذ العصور الفارسية، معتبرًا أن المواجهة الحالية ليست مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل جزء من امتداد تاريخي طويل بين الشعب اليهودي وأعدائه.
المسيح المخلص
وفي سياق متصل، عاد إلى الواجهة النقاش حول مفهوم “المسيح المنتظر” في العقيدة اليهودية، خاصة مع تصاعد الخطاب الديني والسياسي في إسرائيل خلال فترات الحرب، وما يرافقه من استدعاء للرموز التوراتية في تفسير الأحداث.
وتُعد فكرة “المسيح المنتظر” من المفاهيم المركزية في الفكر الديني اليهودي، حيث يُنظر إليه بوصفه قائدا موعودا يظهر في آخر الزمان ليقود الشعب اليهودي نحو الخلاص ويؤسس لعصر من السلام والعدل.
ويستند هذا الاعتقاد إلى نصوص توراتية وتفسيرات دينية متعددة، أبرزها كتابات موسى بن ميمون، الذي اعتبر الإيمان بالمسيح أحد أركان العقيدة اليهودية، موضحا أنه سيكون من نسل الملك داود ومن سبط يهوذا، وأن مهمته تشمل إعادة بناء الهيكل في القدس وجمع اليهود من الشتات.
كما تشير التقاليد الدينية إلى أن عصر المسيح سيشهد نهاية الحروب والمجاعات وبداية مرحلة من السلام العالمي، حيث تتجه البشرية نحو قيم روحية أعلى، بينما تربط بعض الروايات الدينية ظهوره بمرحلة تسبقها اضطرابات وصراعات كبرى على مستوى العالم.
نبوءات آخر الزمان
وتضيف بعض المصادر الدينية إشارات إلى أحداث كبرى قد تسبق ظهوره، من بينها حروب واسعة واضطرابات عالمية، إضافة إلى ما يُعرف في بعض التقاليد بحرب “يأجوج ومأجوج”، وظهور النبي إيليا الذي يمهد لبداية الخلاص.
وفي سياق متصل، يستدعي هذا المشهد ما ورد في المرجع العبري الشهير “يالكوت شيموني”، وتحديدا في تفسير سفر إشعياء (الفقرة 499)، حيث يُنسب إلى الحاخام إسحاق وصفٌ لمشهد يُفترض أنه يسبق “زمن كشف الملك المسيح”.
وجاء في النص أن:
“السنة التي يُكشف فيها ملك المسيح، يتنازع فيها ملوك الأمم فيما بينهم، فيثور ملك فارس على ملك العرب، ويتوجه ملك العرب إلى أدوم طلبا للمشورة، ثم يعود ملك فارس ليُهلك جزءا كبيرا من العالم، فتهتز بقية الأمم وتضطرب، ويصيبها ذعر شديد حتى تسقط على وجوهها كآلام المخاض”.
ويضيف النص أن “إسرائيل” في هذه المرحلة يُصاب بالذعر والاضطراب، ويتساءل: إلى أين نهرب؟ وإلى أين نذهب؟ ليأتي الرد: لا تخافوا، فإن كل ما يحدث إنما هو من أجلكم، فقد حان وقت الفرج والخلاص.
ويُقدَّم هذا المقطع في بعض القراءات بوصفه تصورا يسبق مرحلة الخلاص وظهور المسيح المخلّص، حيث تتداخل فيه الحروب والصراعات الإقليمية مع حالة من الفوضى العالمية والقلق الجماعي.
لكن يطرح هذا الطرح تساؤلات واسعة:
هل يُنظر إلى هذه النصوص باعتبارها نبوءات دينية فقط، أم أنها قراءات رمزية قديمة يتم إعادة توظيفها في سياقات سياسية معاصرة لقراءة الواقع وربطه بالنصوص التوراتية؟

