سموم بلاستيكية.. كيف تهدد ”الملدنات” الخفية صحة أجيال المستقبل؟

كشفت تقارير علمية حديثة صادرة عن وكالة البيئة الألمانية (UBA) ضمن برنامج المراقبة الحيوية البشرية (German Environmental Survey - GerES V) عن مؤشرات مقلقة تتعلق بتعرض الأطفال والمراهقين لمجموعة من الملدنات الكيميائية، وعلى رأسها مركبات الفثالات. في مشهد يومي يبدو عاديًا، من لعب الأطفال بالأدوات البلاستيكية إلى ملامسة الأسطح والأطعمة المغلفة، تتسلل هذه المواد "الخفية" إلى أجساد الأجيال الجديدة دون أن تُرى أو تُدرك بسهولة. و رغم القيود التنظيمية الصارمة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على عدد من هذه المواد منذ عام 2015 ضمن لائحة REACH، لا تزال آثارها تُرصد داخل أجسام البشر، ما يكشف فجوة مقلقة بين التشريع والواقع. هذه المواد "الخفية" قد لا تكون معروفة على نطاق واسع، لكنها تتسلل إلى الحياة اليومية عبر الملابس، ومستحضرات التجميل، ومواد التغليف، وأغلفة الأطعمة، مما يضع الصحة العامة أمام تحدٍ بيئي وجسدي معقد يتجاوز الحدود الجغرافية، خاصة في ظل طبيعة سلاسل الإمداد العالمية.
سر المرونة البلاستيكية
تُعرف الملدنات بأنها مجموعة واسعة من المُركبات الكيميائية تُستخدم لزيادة مرونة البلاستيك، وعلى رأسها "الفثالات" مثل DEHP وDINP وDBP. و وفقًا للوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية (ECHA)، تُستخدم هذه المواد في آلاف المنتجات اليومية، بدءًا من الأرضيات البلاستيكية وأنابيب المياه، وصولاً إلى مستحضرات التجميل مثل طلاء الأظافر والعطور، حيث تعمل كمثبتات ومذيبات تُحسن القوام وتزيد من ثبات المنتج.
أرقام مخيفة ومقلقة
أظهرت بيانات برنامج GerES V، الذي شمل مئات الأطفال في ألمانيا، وجود نواتج أيض لبعض الفثالات في نسبة كبيرة من العينات البيولوجية. كما أشارت دراسة نُشرت في مجلة البيئة الدولية Environment International عام 2020 إلى أن أكثر من 90% من الأطفال في عدة دول أوروبية لديهم آثار قابلة للقياس من الفثالات في البول.
وفي تحديثات لاحقة صادرة عن UBA في 2023 و2024، تم رصد مُركبات بديلة مثل DINCH ومواد أخرى، لكن مع استمرار القلق بشأن آثارها طويلة المدى. وتشير الوكالة إلى أن الأطفال الأصغر سنًا، خاصة بين 3 و6 سنوات، يُظهرون مستويات تعرض أعلى نسبيًا بسبب السلوكيات اليومية مثل ملامسة الأسطح ووضع الأيدي في الفم.
تحذيرات دولية: (IPEN) وتحدي السموم العابرة للحدود
وفي ذات السياق الرقابي، تبرز تقارير الشبكة الدولية للقضاء على الملوثات (IPEN) لتسلط الضوء على بُعد أكثر خطورة، وهو تدفق المنتجات البلاستيكية الملوثة بالملدنات إلى الأسواق الناشئة والدول ذات الأنظمة الرقابية المرنة. وتؤكد دراسات الشبكة أن تدوير البلاستيك الذي يحتوي على "الفثالات" أو الملدنات المحظورة يساهم في بقاء هذه السموم داخل الدورة الاقتصادية لفترات أطول، حيث يتم إعادة تصنيعها في منتجات استهلاكية جديدة دون تنقيتها.
وتشير (IPEN) في تقاريرها الميدانية إلى أن المستهلك في المناطق النامية يواجه خطراً مزدوجاً؛ يتمثل في ضعف الشفافية من قبل الشركات المصنعة، ونقص المختبرات المتخصصة القادرة على كشف هذه "المركبات المهاجرة" التي تنتقل من الغلاف إلى الغذاء، مما يجعل مواجهة هذه الملوثات معركة دولية تتطلب تكاتفاً يتجاوز التوعية المحلية إلى فرض معايير عالمية ملزمة.
صوت الميدان: وعي غائب ومخاوف مشروعة
على أرصفة الأسواق الشعبية والمتاجر الكبرى، تبدو الصورة الميدانية أكثر تعقيداً؛ فبسؤال عدد من الأهالي عن معايير اختيارهم للمنتجات البلاستيكية، سادت حالة من الحيرة والدهشة.
تذكر زينب سعيد إحدى الأمهات أنها تكتفي بالنظر إلى سعر المنتج وشكله الجذاب لطفلها، مُؤكدة أنها لم تسمع قط عن مصطلح "الملدنات" أو "الفثالات" حيث أنها غريبة عنها.
بينما يشير محمد خليل أب لثلاثة أطفال إلى أن غياب الملصقات التحذيرية الواضحة خاصة باللغة العربية يجعل من المستحيل على المستهلك العادي تمييز المواد الضارة، مُتسائلاً بنوع من القلق: كيف يمكننا حماية أطفالنا من عدو لا نراه ولا نعرف حتى اسمه على العبوات؟".
هذه الشهادات الميدانية تعكس الفجوة المعرفية العميقة التي تفصل بين التحذيرات العلمية والممارسة اليومية للمواطن.
واقي الشمس متهم
في سياق البحث عن مصادر التعرض، تشير تقارير علمية صادرة عن UBA والوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية إلى أن منتجات العناية الشخصية، بما في ذلك بعض مستحضرات التجميل و واقيات الشمس، قد تُسهم في التعرض لبعض المُركبات الكيميائية ذات التأثير الهرموني. و رغم أن الفثالات المحظورة لا يُسمح باستخدامها قانونيًا في مستحضرات التجميل داخل الاتحاد الأوروبي، إلا أن وجود ملوثات أو بدائل كيميائية أو سلاسل إمداد غير منضبطة قد يمثل مصدرًا غير مباشر للتعرض. وتؤكد هذه الجهات أن هذه الفرضيات لا تزال قيد البحث، ولم يُحسم بشكل قاطع دور منتج بعينه كمصدر رئيسي.
تهديد للصحة الإنجابية
تُصنف العديد من الفثالات كمُركبات مُعطِّلة للغدد الصماء وفقًا لمنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (WHO/UNEP). و قد ربطت دراسات منشورة في مجلات مثل منظورات الصحة البيئية و مجلة لانسيت The Lancet و Environmental Health Perspectives بين التعرض المرتفع لبعض هذه المُركبات ومجموعة من التأثيرات الصحية، بما في ذلك اضطرابات النمو، ومشكلات الخصوبة، وتأثيرات على الجهاز التناسلي الذكري، خاصة عند التعرض خلال فترات حرجة من النمو. كما تشير الجمعية الأمريكية للغدد الصماء (Endocrine Society) إلى أن التعرض المُزمن لمثل هذه المواد قد يرتبط بزيادة خطر السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي، مع التأكيد على أن العلاقة في بعض الحالات لا تزال ارتباطية وليست سببية بشكل قاطع.
البحث عن البدائل والوقاية الذاتية
في مواجهة هذه التحديات، يتجه البحث العلمي نحو تطوير ملدنات بديلة أقل خطورة، مثل المُركبات الحيوية المستخلصة من الزيوت النباتية. وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إلى أن هذه البدائل لا تزال قيد التقييم من حيث السلامة والكفاءة. في المقابل، يوصي خبراء الصحة البيئية باتباع إجراءات وقائية عملية، مثل تقليل استخدام البلاستيك في الطعام، وتجنب تسخينه، واختيار المنتجات المصنفة بوضوح على أنها "خالية من الفثالات" (Phthalate-free)، وقراءة مكونات مستحضرات العناية الشخصية بعناية. كما يُنصح بالاعتماد على بدائل أكثر أمانًا مثل الزجاج والفولاذ المقاوم للصدأ، خاصة في المنتجات الموجهة للأطفال.
التحديات: بين تعقيد الظاهرة وضعف الرقابة
رغم تزايد التحذيرات العلمية، لا تزال مواجهة مخاطر "الملدنات" الخفية تصطدم بعدة تحديات معقدة. في مقدمتها ضعف الوعي المجتمعي بطبيعة هذه المواد، إذ يصعب على المستهلك العادي التعرف عليها أو تمييز المنتجات الآمنة من غيرها. كما تعاني بعض الدول من قصور في التشريعيات أو بطء تحديثها بما يتماشى مع المستجدات العلمية، ما يترك ثغرات تسمح باستمرار تداول منتجات تحتوي على مواد ضارة. إلى جانب ذلك، تمثل سلاسل التوريد العالمية تحديًا إضافيًا، حيث يصعب تتبع مكونات المنتجات المستوردة أو ضمان التزامها الكامل بالمعايير الصحية. كما تواجه الجهات الرقابية نقصًا في الموارد الفنية والبشرية اللازمة لإجراء فحوصات دقيقة وشاملة بشكل دوري، وهو ما يحدّ من قدرتها على فرض رقابة فعالة.
مقترحات الحلول: نحو حماية الأجيال القادمة
في مواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى حزمة من الإجراءات المتكاملة التي تجمع بين التشريع والرقابة والتوعية. أولًا، ينبغي تحديث القوانين بشكل دوري لتشمل أحدث ما توصلت إليه الدراسات العلمية بشأن المواد الكيميائية الخطرة، مع فرض قيود صارمة على استخدام الملدنات الضارة في منتجات الأطفال. ثانيًا، تعزيز الشفافية من خلال إلزام الشركات بوضع ملصقات واضحة تُبيّن مكونات المنتجات، بما يمكّن المستهلك من اتخاذ قرارات واعية. كما يُعد دعم برامج التوعية المجتمعية خطوة أساسية لرفع مستوى الإدراك بمخاطر هذه المواد وطرق تجنبها.
وعلى المستوى المؤسسي، يتطلب الأمر زيادة الاستثمار في قدرات الجهات الرقابية، وتطوير آليات الفحص والمتابعة، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي لتبادل البيانات والخبرات. أما على مستوى الأفراد، فيمكن للآباء والأمهات تقليل المخاطر عبر اختيار المنتجات الموثوقة، وتجنب البلاستيك منخفض الجودة، والحرص على عدم تعريضه للحرارة المرتفعة التي قد تزيد من تسرب المواد الكيميائية.
في ظل هذا المشهد العلمي المتسارع، لا يعود السؤال متعلقًا بوجود الخطر من عدمه، بل بمدى قدرتنا على إدارة هذا الخطر قبل أن يتحول إلى عبء صحي ممتد عبر الأجيال. فبين تقدم الصناعة وتعقيد سلاسل الإنتاج من جهة، ومتطلبات حماية الصحة العامة من جهة أخرى، تتسع الفجوة التي تستدعي قرارات أكثر جرأة وشفافية و رقابة علمية دقيقة. وفي وقت تتسارع فيه وتيرة الإنتاج الصناعي العالمي، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كم من هذه "السموم الناعمة" يدخل أجساد أطفالنا يوميًا دون أن ننتبه، وكم سيدفع العالم ثمن ذلك مستقبلًا؟
تحقيق : أحمد عبد الحليم

