جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

محادثات على حافة النار: هدنة هشة بين واشنطن وطهران واختبار صعب لأسواق الطاقة

-

تقف منطقة الشرق الأوسط على مفترق طرق بين التهدئة والانفجار، مع إعلان البيت الأبيض عن انطلاق محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت لا تزال فيه بنود وقف إطلاق النار غامضة، وتتعرض لاختبارات ميدانية عنيفة، خاصة في الساحة اللبنانية.

هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي، والاستراتيجي بالميداني، حيث تبدو الهدنة أقرب إلى “استراحة محارب” منها إلى تسوية مستدامة.

دبلوماسية تحت الضغط: مفاوضات بلا أرض صلبة

إعلان واشنطن إرسال وفد رفيع بقيادة جي دي فانس، وبمشاركة شخصيات مؤثرة مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يعكس جدية التحرك الأمريكي نحو احتواء التصعيد. لكن هذه الجدية تصطدم بواقع ميداني متقلب، يهدد بإفشال أي مسار تفاوضي قبل أن يبدأ.

فالمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في تفاصيل الاتفاق، بل في غياب تعريف واضح لنطاقه الجغرافي، وهو ما برز بوضوح في الخلاف حول شمول لبنان ضمن بنود وقف إطلاق النار.

لبنان: ساحة الرسائل النارية

التصعيد الإسرائيلي الأخير، الذي أعلنه جيش الجيش الإسرائيلي، لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد. استهداف أكثر من 100 موقع خلال دقائق يعكس رغبة في إعادة رسم قواعد الاشتباك، وربما فرض وقائع ميدانية قبل تثبيت أي اتفاق.

تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن الحملة أعادت قدرات إيران سنوات إلى الوراء، تكشف عن هدف يتجاوز الردع إلى إضعاف النفوذ الإقليمي لطهران.

لكن الكلفة الإنسانية كانت باهظة، مع سقوط مئات الضحايا في بيروت، ما يضع هذا التصعيد تحت ضغط دولي متزايد، خاصة بعد إدانة إيمانويل ماكرون للضربات “العشوائية”.

إيران: بين التفاوض والتصعيد

في المقابل، تتبنى طهران خطاباً مزدوجاً يجمع بين الانخراط في المفاوضات ورفع سقف التهديد. تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف تعكس موقفاً واضحاً: لا يمكن الجمع بين التهدئة مع واشنطن واستمرار التصعيد عبر إسرائيل.

هذا الموقف يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار صعب: هل تستطيع فصل المسارين، أم أنها مضطرة للضغط على تل أبيب لضمان نجاح التفاوض؟

مضيق هرمز: الاقتصاد رهينة الجغرافيا

إذا كانت السياسة تتحرك في غرف التفاوض، فإن الاقتصاد يُختبر في الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي لا يزال يشهد اضطرابات رغم إعلان الهدنة.

تراجع حركة السفن إلى مستويات شبه متوقفة يكشف عن انعدام الثقة في استدامة التهدئة، ويؤكد أن الأسواق لا تتفاعل مع التصريحات، بل مع الوقائع على الأرض.

تصريحات دونالد ترمب بشأن ضرورة إعادة فتح المضيق فوراً تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة استمرار الإغلاق، ليس فقط على أمن الطاقة، بل على الاقتصاد العالمي ككل.

أسواق النفط: تقلبات تعكس هشاشة السياسة

ردة فعل الأسواق جاءت سريعة وحادة؛ إذ هبطت أسعار النفط بأكثر من 17% عقب إعلان وقف إطلاق النار، في إشارة إلى تراجع مخاوف الإمدادات. لكن هذا الهبوط لم يصمد طويلاً، مع عودة الأسعار للارتفاع بفعل استمرار التوترات.

هذه التقلبات تكشف عن حقيقة أساسية: أن أسواق الطاقة أصبحت رهينة مباشرة للتطورات الجيوسياسية، وأن أي اضطراب في الخليج يمكن أن يعيد سيناريوهات أزمات الطاقة العالمية.

هدنة مؤقتة أم إعادة تشكيل للنظام الإقليمي؟

ما يجري اليوم ليس مجرد تفاوض على وقف إطلاق نار، بل هو إعادة اختبار لتوازنات القوة في الشرق الأوسط. فواشنطن تسعى لتجنب حرب شاملة، وطهران تريد تثبيت مكاسبها الاستراتيجية، بينما تتحرك إسرائيل لتقليص نفوذ خصومها قبل تثبيت أي اتفاق.

وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبقى السؤال الأهم:
هل تنجح الدبلوماسية في تحويل هذه الهدنة الهشة إلى مسار سياسي مستدام، أم أن المنطقة على موعد مع جولة جديدة من التصعيد؟

الإجابة، كما يبدو، لن تُحسم على طاولة المفاوضات فقط، بل في الميدان… وفي أسواق النفط أيضاً.