جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

”البنك الدولي وصندوق النقد في سباق مع الأزمة.. ومصر في اختبار التوازن الصعب”

-

في لحظة تتشابك فيها السياسة بالاقتصاد، وتتعاظم فيها تداعيات الصراعات الإقليمية على الأسواق العالمية، تعود المؤسسات المالية الدولية إلى واجهة المشهد بوصفها خط الدفاع الأول أمام موجات اضطراب جديدة تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، وتضع الدول النامية—وفي مقدمتها مصر—أمام اختبارات صعبة.

ففي ظل تداعيات الحرب في إيران وما تسببه من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، تتحرك مجموعة البنك الدولي نحو توفير حزمة تمويلات طارئة قد تتراوح بين 20 و25 مليار دولار، مع إمكانية التوسع إلى مستويات أعلى إذا استمرت الأزمة، عبر أدوات الاستجابة السريعة وإعادة توجيه جزء من أرصدة المشروعات القائمة.

هذه التحركات تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة التمويل الدولي، كما أوضح رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، حيث لم تعد أدوات التمويل التقليدية كافية في مواجهة أزمات تتسم بالسرعة والتعقيد، بل باتت الحاجة ملحة إلى تدخلات أكثر مرونة وسرعة، حتى لو كان ذلك عبر إعادة توظيف جزء من التمويل القائم.

وفي السياق ذاته، يواصل صندوق النقد الدولي تقدير احتياجات الدول المتضررة بما يتراوح بين 20 و50 مليار دولار لتغطية اختلالات ميزان المدفوعات، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يدفع معدلات التضخم عالميًا إلى مستويات أعلى، ويبطئ وتيرة النمو.

لكن الرسالة الأبرز التي تخرج من هذه المؤسسات اليوم هي أن التضخم أصبح أولوية تفوق النمو في المرحلة الراهنة، نظرًا للتأثير المباشر لاضطرابات الطاقة والسلع الأساسية على حياة المواطنين في الدول المختلفة، وخاصة في الاقتصادات الناشئة.

مصر في قلب المعادلة

تنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على الاقتصاد المصري، الذي يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بتقلبات الأسواق العالمية، سواء من خلال فاتورة الاستيراد أو أسعار الطاقة أو حركة رؤوس الأموال.

وفي هذا السياق، تتواصل مشاورات صندوق النقد الدولي مع الحكومة المصرية في إطار المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد، ضمن حزمة تمويلات إجمالية تستهدف دعم الاستقرار المالي ومواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المتفق عليها، بما يمهد لصرف شرائح تمويلية جديدة خلال الفترة المقبلة.

ورغم الضغوط، تظهر مؤشرات الاقتصاد المصري قدرًا من الصلابة النسبية، مع تسجيل معدلات نمو تتجاوز 5% في بعض الفترات، واستمرار الحكومة في استهداف معدلات نمو قريبة من 5% خلال العام المالي الحالي، وهو ما يعكس محاولة واضحة لتحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح وضغوط الواقع.

هل نجحت الحكومة في تخطي الأزمة؟

يمكن القول إن الحكومة المصرية نجحت إلى حد كبير في احتواء الصدمة الأولية للأزمات الخارجية، سواء عبر إدارة سعر الصرف، أو التوصل إلى تفاهمات مع مؤسسات التمويل الدولية، أو الحفاظ على مسار الإصلاح الاقتصادي.

لكن هذا النجاح يظل نسبيًا ومشروطًا، إذ لا تزال الضغوط التضخمية قائمة، ويظل الاعتماد على التمويل الخارجي عنصرًا مؤثرًا في معادلة الاستقرار الاقتصادي. ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لم يعد في تجاوز الأزمة فقط، بل في القدرة على تحويلها إلى نقطة انطلاق جديدة.

هل تتجه الدولة نحو الإنتاج والتصنيع؟

في موازاة ذلك، تتجه الدولة بشكل متزايد نحو تعزيز الاقتصاد الإنتاجي، عبر دعم القطاع الصناعي، والتوسع في المناطق الصناعية، ومحاولات توطين بعض الصناعات الاستراتيجية، بما يهدف إلى تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

كما تولي الدولة اهتمامًا متزايدًا بـ التعليم الفني باعتباره حجر الأساس لأي تحول صناعي حقيقي، من خلال إنشاء مدارس تكنولوجية تطبيقية، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص، في محاولة لسد الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يزال في مرحلة التأسيس، ويحتاج إلى وقت أطول لتحقيق أثره الكامل، سواء على مستوى الإنتاج أو على مستوى جودة العمالة.

بين التحدي والفرصة

في النهاية، يقف الاقتصاد المصري اليوم أمام معادلة دقيقة: ضغوط خارجية متصاعدة من جهة، وفرص لإعادة الهيكلة من جهة أخرى. وبين التمويلات الطارئة، وبرامج الإصلاح، ومحاولات التحول نحو الإنتاج، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع مصر تحويل الأزمة إلى نقطة تحول حقيقية في مسارها الاقتصادي؟

الإجابة ستتوقف على قدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة النمو المستدام، ومن الاعتماد على التمويل إلى الاعتماد على الإنتاج، وهي معادلة لا تحتمل التأجيل في عالم سريع التغير.