وزارة الأوقاف تنشر نص خطبة الجمعة القادمة

نشرت الأوقاف نص خطبة الجمعة القادمة والمقالات الداعمة لها عبر منصتها الرقمية بعنوان: «سعةُ رحمةِ اللهِ بابُ الأملِ وسبيلُ النجاةِ»
والخطبة الثانية بعنوان: «جريمة الانتحار» وذلك كالتالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الجمعة القادمة ٢٩ شوال ٤٧ ١٤ه. ١٧ ابريل ٢٠٢٦م. لوزارة الأوقاف
«سعة رحمة الله .. باب الأمل وسبيل النجاة
عناصر الخطبة:
١. مقدمة وقصة الأعرابي: رحمة النبي ﷺ نموذج للرحمة الإلهية
٢. رحمة الله وسعت كل شيء: الكتاب الإلهي على النفس
٣. عِظَم رحمة الله وأثرها في حياة العبد
٤. باب التوبة مفتوح: قصص من رحمته الواسعة
· الرجل الذي قتل مائة نفس
· غلام بني إسرائيل والملك الجبار
· وحشي بن حرب قاتل حمزة
٥. كيف نستجلب رحمة الله في حياتنا؟
٦. خاتمة ودعاء
- الخطبة الأولى::
الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، فجعلها باب رجاء لا يُغلق، ونور أمل لا ينطفئ في قلوب الساعين إليه، القاصدين بابه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، رحمة الله المهداة إلى العالمين، أرسله ربه رحمة للخلق أجمعين، فكان أرحم الناس بهم وأرأفهم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي سبيل الفلاح والنجاة. واعلموا أن رحمة الله أوسع مما تتصور القلوب، وأعظم مما تبلغه الأفهام، وهي باب الأمل الذي لا يُغلق، وسبيل النجاة لمن تعلق به.
أولًا: قصة الأعرابي: رحمة النبي ﷺ نموذج للرحمة الإلهية
أيها المسلمون، تأملوا معي هذا الموقف النبوي العظيم، لتروا كيف تجلت رحمة النبي ﷺ بأعظم صورها، وكيف كان نبي الرحمة ﷺ يعلّم أصحابه أن الرفق والرحمة هما السبيل لهداية القلوب.
روى الإمامان البخاري ومسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه:
«أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلًا من ماء، فإنما بُعثتم مُيَسِّرين ولم تُبعثوا مُعسِّرين».
تأملوا أيها الإخوة! رجل أعرابي من البادية، لا يعلم حرمة المسجد، فبال فيه.
غضب الصحابة رضوان الله عليهم، وهموا بمعاقبته، ولكن النبي ﷺ أوقفهم بلطفه وحكمته، وقال: "لا تزرموه" أي لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بدلو من ماء ليُصَبَّ على موضع البول تطهيرًا له.
ثم دعا الرجلَ الأعرابي، وعلّمه بلطف ورحمة، فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن».
بل إن الرجل -عندما رأى هذا اللطف وهذا الحلم- انشرح صدره وأسلم، ثم قال في دعائه: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»، فضحك النبي ﷺ وقال له: «لقد حجرت واسعًا»،
يعني: ضيقت رحمة الله التي وسعت كل شيء. ثم علّمه أن رحمة الله تشمل جميع عباده.
أيها المسلمون، في هذه القصة عبرة عظيمة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن النبي ﷺ كان نموذجًا حيًا لهذه الرحمة الإلهية.
فكما رحم النبي ﷺ هذا الأعرابي الجاهل، فإن الله أرحم بعباده من الأم بولدها.
ثانيًا: رحمة الله وسعت كل شيء: الكتاب الإلهي على النفس
عباد الله، لقد أخبرنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز عن سعة رحمته، فقال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فهي رحمة لا تحدها حدود، ولا تحيط بها صفات، تشمل المؤمن والكافر، البر والفاجر، في الدنيا والآخرة.
وقال تعالى في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش». هذه كلمة عظيمة: "سبقت رحمتي غضبي" ، أي أن رحمته أوسع وأسبق وأعم من غضبه.
فإذا غضب على عبده، فإن رحمته تسبق ذلك الغضب وتمنع نزول العقاب عند أول بادرة توبة.
وقال تعالى أيضًا: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢].
تأملوا هذا المعنى الجليل: "كتب ربكم على نفسه الرحمة" .
جعلها فريضة على نفسه سبحانه وتعالى، من باب التفضل والإحسان، لا من باب الوجوب عليه، فسبحان من كتب على نفسه الرحمة وأوجبها على ذاته تكرُّمًا منه وتفضلًا.
ثالثًا: عِظَم رحمة الله وأثرها في حياة العبد
أيها المؤمنون، روَى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها. وأخر تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة».
تأملوا هذا الحديث العظيم! كل ما ترونه من رحمة في هذا الكون، من عطف الأم على ولدها، ومن تعاطف الناس بعضهم مع بعض، ومن شفقة الحيوان على صغيره، كل هذه رحمة واحدة فقط من مائة رحمة عند الله! فما بالكم بتسع وتسعين رحمة أُخِرت ليوم القيامة؟!
وفي صحيح البخاري ومسلم، قصة المرأة التي فقدت ولدها، فقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «قدم رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي ولدها، فإذا وجدته ضمته إلى صدرها وأرضعته.
فقال النبي ﷺ: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال ﷺ: لله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها».
فيا عباد الله، إذا كانت الأم الرؤوم ترحم ولدها وتضن به أن يقع في نار الدنيا، فكيف برحمة رب العالمين الذي هو أرحم الراحمين؟!
رابعًا: باب التوبة مفتوح: قصص من رحمته الواسعة
القصة الأولى:
الرجل الذي قتل مائة نفس
أيها الإخوة، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه،
فقال: إني قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فهل لي من توبة؟ قال: لا. فقتله فكمل به مائة.
ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.
فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له.
فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر، فغفر له».
يا لله! رجل قتل مائة نفس، ومع ذلك قبل الله توبته لمجرد أنه صدق في توجهه إلى الله، وأناب إليه. فما بالكم بذنوبنا نحن؟! وهل ييأس أحد من رحمة الله بعد هذه القصة؟!
القصة الثانية:
غلام بني إسرائيل والملك الجبار
روى الإمام مسلم عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلامًا أُعلِّمه السحر. فبعث إليه غلامًا يعلّمه...». وفي القصة أن الغلام آمن بالله، وبلغ من قوة إيمانه أنه تحدى الملك الجبار، فقال الملك لمن حوله: «ائتوني به» . فجيء بالغلام، فقيل له: «أتعبد الله؟» قال: «نعم» . فأمر به فأُلقِي في النار، فأطفأ الله النار عليه ببركة إيمانه، وأسلم على يده خلق كثير، واستشهدوا جميعًا في الأخدود.
هذا الغلام كان صغيرًا في السن، كبيرًا في الإيمان، فعلم أن الله معه، وأن رحمة الله تحيط به من كل جانب. فكان مثالاً في الثبات على الحق، واليقين في رحمة الله.
القصة الثالثة:
وحشي بن حرب قاتل حمزة
ومن أعظم قصص رحمة الله في تاريخ الصحابة، قصة وحشي بن حرب الحبشي، الذي قتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النبي ﷺ في غزوة أحد.
كان وحشي عبدًا حبشيًا ماهرًا في الرمي بالحربة، فوعده جبير بن مطعم بعتقه إن قتل حمزة. فأصابه في المعركة فمات.
ولما فتح الله مكة على يد النبي ﷺ، هرب وحشي خوفًا من النبي، ثم أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. وعندما قدم على النبي ﷺ، قال له النبي: «أأنت قتلت حمزة؟» قال: نعم. فقال النبي ﷺ وقد أذن له: «تغيب عني فلا أراك» . فكان يتغيب عن النبي ﷺ، ثم جاهد في سبيل الله حتى قتل شهيدًا ببئر معونة، والنبي ﷺ راضٍ عنه.
أيها المسلمون، هذه قصة رجل قتل عم النبي ﷺ، ثم تاب فتاب الله عليه، وجاهد حتى استشهد. فإذا كان هذا حاله مع عظم جرمه، فأي ذنب بعد هذا يُقنط العبد من رحمة الله؟!
خامسًا: كيف نستجلب رحمة الله في حياتنا؟
أيها المؤمنون، إذا كانت رحمة الله بهذه السعة، فينبغي علينا أن نعمل على استجلابها في حياتنا:
١. التوبة الصادقة: قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82].
٢. الاستغفار: قال تعالى: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦].
٣. رحم بعضنا بعضًا: قال النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
٤. حسن الظن بالله: قال النبي ﷺ: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي».
- خاتمة ودعاء
عباد الله، إن رحمة الله هي باب الأمل الواسع الذي لا يُغلق، وسبيل النجاة الذي لا يضل سالكه. فلا تقنطوا من رحمة الله مهما عظمت ذنوبكم، فإن الله غفور رحيم، وقد وسعت رحمته كل شيء.
وصلوا وسلموا على سيدنا محمد، كما أمركم ربكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم إنا نسألك رحمتك التي وسعت كل شيء، أن تغفر لنا ذنوبنا، وتقبل توبتنا، وتصلح أحوالنا. اللهم أرحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، واجعلنا من عبادك الذين أنعمت عليهم برحمتك وكرمك. اللهم أرحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه الخلق، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا في أعمارنا، واجعلها عمرًا في طاعتك. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وانصرهم على عدوهم، واحفظ بلادنا وأهلنا من كل سوء ومكروه. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، وغفور تحب المغفرة فاغفر لنا، ورحيم تحب الرحمة فارحمنا ..
اللهم أرحم موتانا وموتى المسلمين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، واجمعنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ..
آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وأقم الصلاة.



