جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

منطقة عازلة أم صراع طاقة؟ الاحتلال يعتزم السيطرة على حقل قانا للغاز في لبنان

الديار -

أثارت الخطوة الإسرائيلية بإنشاء “منطقة عازلة” جديدة في جنوب لبنان جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب أبعادها العسكرية، بل أيضًا لما تحمله من تداعيات خطيرة على مستقبل الطاقة في شرق المتوسط، خاصة مع امتداد هذه المنطقة إلى المياه البحرية التي تضم حقل “قانا” الغازي.

وبحسب تقارير إعلامية، فإن الخط الحدودي الذي أعلنته إسرائيل لا يقتصر على اليابسة، بل يمتد إلى البحر، ليشمل فعليًا حقل قانا، الذي يُعد أحد أهم الأصول الاستراتيجية للبنان في ظل أزمته الاقتصادية الخانقة.

حقل قانا في قلب المواجهة

يعد حقل قانا، الواقع في شرق البحر المتوسط، من أبرز الآمال الاقتصادية للبنان، إذ تقدر احتياطاته بنحو 100 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بقيمة تتراوح بين 20 و40 مليار دولار. وكان هذا الحقل قد دخل ضمن السيادة اللبنانية بموجب اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، بوساطة أمريكية.

غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا المورد الحيوي بات مهددًا، بعد أن أظهرت خرائط عسكرية إسرائيلية أن المنطقة العازلة الجديدة تتقاطع مع موقع الحقل، ما يثير تساؤلات حول نوايا تل أبيب في فرض سيطرة فعلية على هذه الموارد.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس نمطًا متكررًا، حيث سبق لإسرائيل أن عززت سيطرتها على موارد الغاز قبالة سواحل غزة، في ظل الحصار المستمر منذ عام 2007، وهو ما أدى إلى تهميش الدور الفلسطيني في استغلال هذه الثروات.

أبعاد عسكرية تعرقل الاقتصاد اللبناني

تؤكد إسرائيل أن الهدف من إنشاء المنطقة العازلة هو حماية مستوطناتها الشمالية من هجمات حزب الله، مشيرة إلى انتشار واسع لقواتها، حيث تعمل عدة فرق عسكرية إلى جانب القوات البحرية في المنطقة.

وتمتد هذه المنطقة من 5 إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى إخلاء وتدمير عدد كبير من القرى الحدودية. ووفق تقارير لبنانية، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية أسفرت عن تدمير واسع للبنية التحتية، حيث يتم هدم مئات المنازل يوميًا، وسط تحذيرات من تطبيق “نموذج غزة” في جنوب لبنان.

هذا الواقع الأمني المعقد يضع مستقبل مشاريع الطاقة اللبنانية على المحك، إذ إن الوصول إلى حقل قانا وتشغيله يتطلب بيئة مستقرة، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل التصعيد الحالي.

كما أن استمرار التوتر يهدد بإحباط أي استثمارات دولية محتملة في قطاع الطاقة اللبناني، خاصة مع المخاوف الأمنية المرتبطة بالعمل في مناطق نزاع.

صراع شرق المتوسط: الطاقة كسلاح نفوذ

تندرج هذه التطورات ضمن سياق أوسع من التنافس الإقليمي والدولي على موارد الطاقة في شرق المتوسط، وهي منطقة تحتوي على احتياطيات ضخمة من الغاز والنفط.

وفي هذا الإطار، تصبح السيطرة على الحقول البحرية أداة نفوذ استراتيجية، تتجاوز البعد الاقتصادي لتصل إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

ويرى محللون أن ما يحدث في حقل قانا يعكس تحولًا في طبيعة الصراع، حيث لم يعد يقتصر على الحدود البرية أو الاعتبارات الأمنية، بل بات يشمل سباقًا محمومًا على موارد الطاقة، في ظل أزمة طاقة عالمية متفاقمة.

مفاوضات معلقة ومستقبل غامض

على الصعيد الدبلوماسي، أعلنت الولايات المتحدة عن جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء، في محاولة لاحتواء التوتر. غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهونًا بمدى استعداد الأطراف للالتزام بالاتفاقات السابقة، خاصة اتفاق ترسيم الحدود البحرية.

في المقابل، يواجه لبنان تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على سيادته على موارده الطبيعية، وفي الوقت ذاته جذب الاستثمارات اللازمة لاستغلالها، وهو ما يبدو صعبًا في ظل التهديدات الأمنية المتصاعدة.

بين الأمن والطاقة.. معركة مفتوحة

تكشف أزمة حقل قانا عن واقع معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، حيث تتحول الموارد الطبيعية إلى محور صراع جيوسياسي. وفي ظل غياب تسوية شاملة، يبقى مستقبل هذا الحقل-ومعه آمال لبنان الاقتصادية-رهينة لتوازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد.