من القاهرة إلى مكة.. تفاصيل رحلة المحمل الشريف وأسرار صناعة كسوة الكعبة

كشف وزارة الأوقاف أن المقصود بـ المحمل الشريف لـ الكعبة أنه هودج خشبي مغطى بالحرير الأسود والمزين بالفضة والذهب، يوضع على جمل، ويُحمل في موكب خاص، وقد أرسل أول محمل إلى الحجاز في العصر المملوكي.
ما هو المحمل الشريف وأجزاؤه؟
وأوضحت وزارة الأوقاف، في منشور لها عبر موقعها الرسمي، أن المحمل يتكون من عدة أجزاء وهي:
- الهودج: وهو الإطار الخشبي المغطى بالحرير.
- القمة: وهي الجزء العلوي من المحمل، وكانت مزينة بقبة من الفضة.
- الستائر: وهي الحرير الأسود المطرز بآيات قرآنية بخيوط الذهب.
- الرايات: وكانت تعلق على جانبي المحمل.
لحظات لا تُنسى في تاريخ القاهرة الإسلامية
وأشارت وزارة الأوقاف إلى مشهد خروج المحمل المصري من القاهرة حيث كانت شوارع القاهرة تزدحم بالآلاف من الناس، الرجال والنساء والأطفال، يتجمعون على جانبي الطريق من "باب الخلق" إلى قلعة الجبل؛ كانوا ينتظرون بصبر شاق مشهدًا لا يُرى إلا مرة في العام: خروج المحمل المصري إلى الحجاز.
وفجأة، انطلقت المدافع تطلق قنابلها إيذانًا بخروج الموكب؛ وإذا بالطبول تُقرع، وإذا بالأبواب تفتح، وإذا بموكب المحمل يخرج في استعراض مهيب؛ كان المحمل الشريف – وهو هودج خشبي مغطى بالحرير الأسود المطرز بالذهب والفضة – يوضع على جمل يسمى "جمل المحمل"، وكان الجمل نفسه مزينًا بالأغطية الحريرية والقلائد الذهبية.
قال ابن إياس- رحمه الله- واصفًا موكب المحمل في العصر المملوكي: "وفي كل عام كان المحمل المصري يخرج من القاهرة في احتفال عظيم، يشهده السلطان والأمراء، وتضرب له الطبول، وتخرج معه القوافل محملة بالزاد والماء". [ابن إياس، بدائع الزهور، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٤م، ج٢، ص ٤٦].
وقال المقريزي- رحمه الله-: "وكان موكب المحمل يخرج من القاهرة في موكب حافل، يشهده الخليفة والأمراء والعلماء، وتُضرب فيه الطبول، وتُعلق الزينات، ويتصدق فيه على الفقراء". [المقريزي، الخطط والآثار، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٨هـ، ج٢، ص ١١٠].
وكان المشهد يبكي القلوب، كانت الأمهات تودعن أبناءهن، والأبناء يودعون آباءهم، والجميع يبكون شوقًا؛ لزيارة البيت الحرام وحضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وطريق الحج كان طويلًا وشاقًا، يقطعه الحجاج في شهور، ويعترضهم خطر قطاع الطرق والأمراض والعطش.
وكان المحمل يُودع عند "باب الخلق" حيث كان العلماء يرفعون أيديهم بالدعاء، ويقرؤون الفاتحة على روح سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
من هو أول من كسا الكعبة عبر العصور؟
اختلف المؤرخون في تحديد أول من كسا الكعبة المشرفة؛ وإليك أقدم الروايات الموثقة:
١ - تبع أبو كرب الحميري (القرن الخامس الميلادي):
يذكر معظم المؤرخين أن أول من كسا الكعبة هو تبع أبو كرب أسعد بن ملكي كرب الحميري، ملك اليمن.
قال الأزرقي في أخبار مكة: "أول من كسا الكعبة تبع، وكان يكسوها الأنطاع - أي الجلود - ثم كساها القباطي". [الأزرقي، أخبار مكة، دار الأندلس، ج١، ص ١٦٠].
وقال ابن هشام: "كان تبع أول من كسا الكعبة، وأوصى بذلك". [ابن هشام، السيرة النبوية، ط: دار الجيل، ١٤١١هـ، ج١، ص ١٨].
وقال الطبري في تاريخ الرسل والملوك: "إن تبعًا لما قدم مكة كسا الكعبة وأطعم أهلها، وكان أول من كساها". [الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ط: دار الكتب العلمية، ١٤٠٧هـ، ج٢، ص ٥٦].
وقال ابن كثير: " تبع هو أول من كسا الكعبة". [ابن كثير، البداية والنهاية، ط: دار الفكر، ١٤٠٧هـ، ج٢، ص ١٧٩].
٢ - قصي بن كلاب (القرن الخامس الميلادي):
بعد تبع كسا الكعبة قصي بن كلاب- الجد الرابع لحضرة النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وكان يكسوها القباطي والجلود.
قال ابن حبيب: "وكان قصي بن كلاب أول من كسا الكعبة القباطي". [ابن حبيب، المحبر، دار الآفاق الجديدة، ص ٤٥].
٣ - عبد المطلب بن هاشم (القرن السادس الميلادي):
وكان جد سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد المطلب بن هاشم يكسو الكعبة الحبرات والوشي والديباج.
قال ابن هشام: "وكان عبد المطلب يكسو الكعبة الحبرات والوشي". [ابن هشام، السيرة النبوية، ج١، ص ١٥].
٤ - سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما أشرق نور الإسلام وفُتحت مكة أبقى حضرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على كسوة الكعبة كما هي حتى احترقت بطريق الخطأ على يد امرأة كانت تبخرها؛ فكساها النبي بالثياب اليمانية، وفي ذلك يقول الإمام الماوردي: «كَسَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ» [الماوردي، الأحكام السلطانية، ص ٢٤٦]
٥- سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه (العصر الراشدي):
أول من كسا الكعبة من الخلفاء الراشدين هو سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
قال الطبري: "وكان أبو بكر الصديق أول من كسا الكعبة في الإسلام بالقباطي". [الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج٣، ص ٥٠].
٦ـ - سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكسو الكعبة القباطي والبرود.
قال الأزرقي: "وكان عمر بن الخطاب يكسو الكعبة القباطي والبرود". [الأزرقي، أخبار مكة، ج١، ص ١٦١].
٧ - سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه:
يقال: إن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه هو أول من كسا الكعبة بالديباج (الحرير)؛ قال ابن كثير: "وكان عثمان أول من كسا الكعبة بالديباج". [ابن كثير، البداية والنهاية، ج٣، ص ١٢٠].
٨ - سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه (العصر الأموي):
أول من كسا الكعبة في العصر الأموي؛ قال المقريزي: "وكان معاوية أول من كسا الكعبة بالقباطي والحرير في العصر الأموي". [المقريزي، الخطط والآثار، ج٢، ص ١١٠].
٩ - الخليفة العباسي المهدي (القرن ٢ هـ):
أول من كسا الكعبة بالوشي والديباج الأبيض، وغيَّر لون الكسوة من الأبيض إلى الأسود، قال ابن كثير: "وكان المهدي أول من كسا الكعبة بالوشي والديباج الأسود". [ابن كثير، البداية والنهاية، ج١٠، ص ٨٠].
١٠- الملك الصالح نجم الدين أيوب (العصر الأيوبي):
أول من أرسل كسوة من مصر إلى الحجاز، وكانت كسوة مصرية الصُّنع، قال ابن إياس: "وكان الملك الصالح أول من جهز كسوة من مصر إلى الحرمين الشريفين". [ابن إياس، بدائع الزهور، ج١، ص ٢٠٠].
١١- الملك الظاهر بيبرس (العصر المملوكي):
أول من أرسل المحمل المصري الشريف، قال المقريزي: "وكان الظاهر بيبرس أول من أرسل المحمل المصري إلى الحجاز سنة ٦٦١ هـ". [المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، ط: دار الكتب العلمية، ج٢، ص ١٥١].
تطور كسوة الكعبة في الإسلام
تطورت كسوة الكعبة عبر العصور الإسلامية من حيث الخامات والألوان:
العصر الراشدي: كانت الكسوة من القباطي (القماش المصري الفاخر) أو البرود، وأحيانًا الديباج [الأزرقي، أخبار مكة، ج١، ص ١٦١].
العصر الأموي: استمرت الكسوة من القباطي والحرير، وكانت باللون الأبيض أحيانًا؛ قال ابن كثير: "وكان معاوية يكسو الكعبة القباطي البيض". [ابن كثير، البداية والنهاية، ج٨، ص ٦٠].
العصر العباسي: تنوعت الألوان بين الأبيض والأسود، واستقر الأمر على الأسود منذ عهد الخليفة الناصر لدين الله؛ قال المقريزي: "واستقر أمر كسوة الكعبة على الأسود منذ عهد الخليفة الناصر لدين الله". [المقريزي، الخطط والآثار، ج٢، ص ١١١].
العصر المملوكي: تميزت الكسوة بالحرفة العالية والزخارف الذهبية والفضية، قال ابن إياس: "وكانت كسوة الكعبة في العصر المملوكي تُصنع من الحرير الأسود وتُطرز بخيوط الذهب والفضة". [ابن إياس، بدائع الزهور، ج٢، ص ٤٥].
العصر العثماني: استمر إرسال الكسوة من مصر؛ قال الجبرتي: "وكان المحمل المصري يخرج في العصر العثماني في موكب مهيب، وتحمل معه كسوة الكعبة". [الجبرتي، عجائب الآثار، ط: دار الكتب العلمية، ج١، ص ٨٠].
الدور المصري التاريخي في كسوة الكعبة
كان لمصر دور تاريخي كبير في خدمة الحرمين الشريفين، ويظهر ذلك في:
أولًا: إنشاء دار لصناعة الكسوة بالقاهرة: أنشأ السلطان المملوكي الأشرف شعبان دارًا خاصة لصناعة كسوة الكعبة في القاهرة سنة ٧٦١ هـ، وكانت تضم أمهر الحرفيين؛ إذ قال المقريزي: "وأنشأ السلطان الأشرف شعبان دارًا لصناعة كسوة الكعبة بالقاهرة، وعين فيها أمهر الحرفيين" [المقريزي، الخطط والآثار، ج٢، ص ١١٢]، وكانت هذه الدار تضم أقسامًا متخصصة وهي:
- قسم للنسيج: وكان يصنع الحرير الأسود.
- قسم للتطريز: وكان يطرز الآيات القرآنية بخيوط الذهب والفضة.
- قسم للخياطة: وكان يخيط الكسوة ويركبها.
وظلت مصر ترسل كسوة الكعبة سنويًّا لمدة تزيد على ٧٠٠ عام، ولم ينقطع إرسالها إلا في فترات قليلة بسبب الظروف السياسية؛ فقد قال ابن إياس: "وفي كل عام كانت مصر ترسل كسوة الكعبة المحملة على الجمال في موكب مهيب" [ابن إياس، بدائع الزهور، ج٢، ص ٤٥]، وكانت الكسوة تُصنع من الحرير الأسود، وتُطرز بآيات قرآنية بخيوط الذهب والفضة، وكان وزن الكسوة يصل إلى ٨٠٠ كيلوجرام تقريبًا.
ثانيًا: دار الكسوة بالخرنفش في العصر الحديث: لم يقتصر شرف صناعة الكسوة على العصور القديمة بل امتد ليزدهر في العصر الحديث؛ حيث أمر محمد علي باشا في أوائل القرن التاسع عشر وتحديدًا عام ١٨١٧م بتأسيس "دار الكسوة بالخرنفش" في حي الجمالية العريق بقلب القاهرة التاريخية، لتكون مركزًا رئيسًا لصياغة هذا العمل الفني العظيم، وقد ضمت هذه الدار أمهر النساجين والخطاطين الذين توارثوا هذه الحرفة الشريفة جيلًا بعد جيل، فكانوا يغزلون الحرير الأسود الصافي، ويطرزون الآيات القرآنية الكريمة بخيوط الذهب والفضة ببراعة فائقة وإتقان مبهر، ومن أبواب هذه الدار العريقة كان يخرج المحمل المصري في مشهده المهيب ليطوف شوارع القاهرة وسط دعوات الأهالي وتهليلهم، واستمرت دار الخرنفش في تقديم هذه الهدية السنوية من مصر إلى الكعبة المشرفة حتى منتصف القرن العشرين تقريبًا، لتُطوى بذلك صفحةً مضيئةً من تاريخ طويل يجسد المحبة العميقة في قلوب المصريين لبيت الله الحرام.

