مدحت الشيخ يكتب: متفرقات في المجتمع المصري

في مصر، لا تُقاس الأشياء دائمًا بمعاييرها الطبيعية… بل بما استقر في الوجدان العام من عادات تُدار كأنها قوانين غير مكتوبة، لكنها أكثر نفاذًا من أي تشريع رسمي. نحن أمام مجتمع لا يعيش التناقض، بل يتعايش معه، بل ويعيد إنتاجه يوميًا دون أن يتوقف كثيرًا عند تفسيره.
خذ مثلًا “فلسفة الطابور”… ذلك الكيان الذي يفترض أنه أداة لتنظيم العدالة في الحصول على الخدمة، لكنه في الواقع تحوّل إلى اختبار للصبر، وأحيانًا للذكاء الاجتماعي. الطابور في مصر ليس مجرد ترتيب زمني، بل مساحة مفتوحة للتفاوض، والاستثناء، والوساطة، و”الاستلطاف”. وهنا يتجلى سؤال عميق: هل نحن أمام خلل في التطبيق، أم أن الثقافة نفسها أعادت تعريف فكرة النظام؟
ثم ننتقل إلى الشارع، حيث تتجسد صورة أخرى من هذا التداخل بين القاعدة والاستثناء. قواعد المرور موجودة، لكن الفعل اليومي يعيد صياغتها وفق منطق “اللحظة”. القرار لا يُتخذ بناءً على نص، بل على تقدير فردي سريع: من الأسرع؟ من الأجرأ؟ من يستطيع فرض وجوده؟ وهنا تصبح القيادة انعكاسًا لثقافة أوسع، لا مجرد سلوك فردي.
وفي المؤسسات، تتجلى إشكالية أكثر تركيبًا… علاقة المواطن بالإدارة. ليست المسألة مجرد إجراءات بيروقراطية، بل منظومة كاملة تُدار أحيانًا بمنطق “التحوّط” لا “الخدمة”. الموظف يخشى الخطأ، فيُكثر من طلب المستندات، والمواطن يخشى التعطيل، فيلجأ إلى “الطرق الجانبية”. وهكذا ندخل في دائرة مغلقة، كل طرف فيها يعزز سلوك الطرف الآخر دون قصد.
أما الفضاء الرقمي، فقد أضاف بُعدًا جديدًا للمشهد. لم يعد النقاش حكرًا على المتخصصين، بل أصبح متاحًا للجميع. وهذا في حد ذاته مكسب، لكنه كشف أيضًا عن ظاهرة “تسييل الخبرة”، حيث تختلط المعرفة بالرأي، والتحليل بالانطباع. الجميع يتحدث، لكن قليلين فقط يستندون إلى أدوات حقيقية للفهم.
ولا يمكن إغفال “ثقافة الفهلوة”، التي تُعد من أكثر الظواهر إثارة للجدل. فهي من ناحية تعبير عن قدرة على التكيّف والابتكار في ظل ظروف صعبة، لكنها من ناحية أخرى قد تُقوّض فكرة العدالة، حين تتحول من استثناء إلى قاعدة. الفهلوة هنا ليست مجرد سلوك عابر، بل انعكاس لعلاقة ملتبسة مع فكرة القانون نفسها.
ورغم هذا التعقيد، يظل هناك خيط إنساني متماسك يمر عبر كل هذه التفاصيل. في لحظات الأزمات، يظهر التضامن بشكل لافت. في المواقف اليومية، تتجلى روح “الجدعنة” كقيمة حية تتجاوز الحسابات الضيقة. وكأن المجتمع، رغم كل ما فيه من ارتباك، يحتفظ ببوصلة أخلاقية خاصة به.
المجتمع المصري، في جوهره، ليس لغزًا بقدر ما هو حالة مركّبة. لا يمكن اختزاله في صورة واحدة، ولا الحكم عليه بمعيار واحد. هو مساحة تتجاور فيها المتناقضات دون أن تلغي إحداها الأخرى. وربما التحدي الحقيقي ليس في رصد هذه المتفرقات، بل في القدرة على تحويلها من ظواهر متعايش معها إلى نقاط انطلاق نحو وعي أكثر اتساقًا.
لأن المجتمعات لا تتغير بالشعارات، بل حين تدرك نفسها… وتراجع ما اعتادت عليه، حتى لو كان مألوفًا حدّ الطمأنينة.

